في تطور لافت، كشفت إسرائيل يوم الثلاثاء عن تفاصيل عملية عسكرية واسعة نفذتها قواتها في منطقة نهر الليطاني بجنوب لبنان على مدار أيام عدة خلال الأسبوع الماضي. ويأتي هذا الإعلان ليلقي بظلاله على اتفاق وقف إطلاق النار الهش القائم بين الجانبين، والذي غالباً ما يتم خرقه بتبادل القصف الصاروخي والمدفعي، لكنه نادراً ما يشهد عمليات توغل برية بهذا العمق العلني. وأكد الجيش الإسرائيلي أن العملية تندرج في إطار القتال المستمر مع حزب الله، مشيراً إلى أن الهدف منها كان "إزالة تهديدات" وتدمير بنى تحتية عسكرية للحزب في المنطقة.
تأتي هذه العملية في سياق تصعيد مستمر على الحدود اللبنانية الإسرائيلية منذ اندلاع الحرب في قطاع غزة في السابع من أكتوبر الماضي. فمنذ ذلك الحين، تشهد المنطقة الشمالية لإسرائيل وجنوب لبنان تبادلاً شبه يومي للقصف، ما أدى إلى نزوح عشرات الآلاف من السكان من كلا الجانبين. ويعد نهر الليطاني خطاً فاصلاً مهماً، حيث تنص قرارات مجلس الأمن الدولي، أبرزها القرار 1701 الصادر عام 2006 بعد حرب يوليو، على انتشار قوات اليونيفيل والجيش اللبناني جنوب النهر، مع انسحاب مقاتلي حزب الله إلى شماله. غير أن الحزب يحتفظ بوجود عسكري ونقاط مراقبة في المنطقة الجنوبية، وهو ما تعتبره إسرائيل خرقاً للقرار الأممي.
وتثير عملية التوغل هذه تداعيات خطيرة، إذ تمثل تصعيداً نوعياً في المواجهة بين إسرائيل وحزب الله، وتحدياً مباشراً لقرارات مجلس الأمن الدولي التي تدعو إلى الحفاظ على الهدوء والاستقرار في جنوب لبنان. فبينما يلتزم الجانبان عادة بقواعد اشتباك غير معلنة، فإن الكشف عن عملية برية عميقة كهذه قد يدفع حزب الله إلى إعادة تقييم استراتيجيته والرد بطرق قد تؤدي إلى توسع نطاق الصراع. كما تضع هذه العملية الحكومة اللبنانية في موقف حرج، وتزيد من الضغوط عليها للسيطرة على الأوضاع الحدودية، وهو ما يصعب عليها تنفيذه في ظل الانقسامات الداخلية وضعف مؤسسات الدولة.
على الصعيد الإقليمي والدولي، تثير هذه العملية مخاوف جدية من اتساع رقعة الصراع في الشرق الأوسط. فقد كثفت الولايات المتحدة وفرنسا جهودهما الدبلوماسية في الأشهر الماضية لمنع تحول الجبهة اللبنانية إلى حرب شاملة، عبر مقترحات لوقف التصعيد وترسيم الحدود البرية. غير أن الإعلان الإسرائيلي عن عملية الليطاني يعقد هذه الجهود ويظهر أن التوترات على الأرض قد تتجاوز المساعي الدبلوماسية. وفي المقابل، تواصل الأمم المتحدة وقوات اليونيفيل العاملة في لبنان دعواتها المتكررة لضبط النفس والالتزام بقرار 1701، محذرة من مغبة أي تصعيد قد يزعزع الأمن الإقليمي برمته.
تبقى المنطقة على صفيح ساخن، ويزيد هذا التطور من حالة عدم اليقين بشأن مستقبل الحدود الشمالية لإسرائيل وجنوب لبنان. فبينما قد تكون العملية رسالة إسرائيلية حازمة لحزب الله، فإنها في الوقت ذاته تفتح الباب أمام ردود فعل محتملة وتصعيد يصعب التكهن بمساره. والأنظار كلها تتجه نحو بيروت وطهران لمعرفة طبيعة الرد، والذي قد يحدد شكل المرحلة القادمة من هذا الصراع المتأجج.