أوروبا تسابق الزمن لـ"ناتو أوروبي" مستقل تحسباً لانسحاب أميركي
تتسارع وتيرة العمل في العواصم الأوروبية الأعضاء في حلف شمال الأطلسي (الناتو) لوضع خطط طوارئ شاملة تهدف إلى تعزيز ما يُعرف بـ"الناتو الأوروبي" أو القدرات الدفاعية الذاتية للقارة. تأتي هذه التحركات الاستباقية في ظل قلق متصاعد من إمكانية انسحاب الولايات المتحدة من الحلف العسكري الأهم في العالم، وهو سيناريو أثير مراراً عبر تصريحات الرئيس الأميركي السابق دونالد ترامب التي هدد فيها بتقليص الالتزامات الأميركية تجاه الحلف أو الانسحاب منه بشكل كلي. هذه الخطوات تعكس إدراكاً متزايداً في بروكسل وعواصم القرار الأوروبية بضرورة الاستعداد لمستقبل قد لا تكون فيه مظلة الحماية الأميركية مضمونة كما كانت لعقود.
تأتي هذه التحركات في سياق حقبة سابقة شهدت فيها العلاقات عبر الأطلسي توترات ملحوظة، خاصة خلال فترة رئاسة ترامب الأولى، حيث تبنى شعار "أمريكا أولاً" وطالب الدول الأوروبية بزيادة إنفاقها الدفاعي وتحمل نصيبها العادل من الأعباء الأمنية. لطالما انتقد ترامب ما اعتبره اعتماداً أوروبياً مفرطاً على الولايات المتحدة في الدفاع، مهدداً بتقليص الدعم الأميركي إذا لم تلبِ الدول الأعضاء أهداف الإنفاق الدفاعي المحددة. هذه التصريحات لم تكن مجرد بلاغة سياسية، بل دفعت العديد من القادة الأوروبيين إلى إعادة التفكير في أسس أمنهم القومي ومستقبل التحالف الذي شكل ركناً أساسياً للاستقرار في القارة منذ الحرب العالمية الثانية.
إن تداعيات مثل هذا الانسحاب الأميركي، إن حدث، ستكون واسعة النطاق على الأمن الأوروبي والعالمي. فالانسحاب لن يترك فجوة أمنية وعسكرية ضخمة فحسب، بل سيقوض أيضاً مفهوم الردع الجماعي الذي لطالما ارتكز عليه الحلف. في المقابل، يرى البعض أن هذا السيناريو قد يدفع أوروبا أخيراً نحو تحقيق "الاستقلال الاستراتيجي" الذي طالما نادت به بعض الدول، خاصة فرنسا، ويحفز على بناء قدرات دفاعية أوروبية مشتركة أكثر قوة وفعالية. ستكون ألمانيا وفرنسا، بصفتهما أكبر اقتصادين وقوتين عسكريتين في الاتحاد الأوروبي، في طليعة الجهود المبذولة لبلورة هذا الكيان الدفاعي الجديد، وقد يواجهان تحديات كبيرة في توحيد الرؤى وتنسيق الجهود بين دول ذات أولويات ومصالح أمنية متباينة.
على الصعيد الدولي، تراقب موسكو هذه التطورات عن كثب، حيث يمكن أن يمثل ضعف الناتو أو تفككه فرصة استراتيجية لروسيا لتوسيع نفوذها في أوروبا الشرقية والحدودية. كما أن انسحاب الولايات المتحدة من الناتو سيغير بشكل جذري موازين القوى العالمية، وقد يؤدي إلى إعادة ترتيب التحالفات الدولية. وبينما سيسعى الأوروبيون إلى تعزيز قدراتهم، فإنهم سيواجهون تحديات جيوسياسية معقدة تتطلب دبلوماسية حذرة واستثمارات ضخمة لمواجهة التهديدات المحتملة، ليس فقط من الشرق ولكن أيضاً من مناطق أخرى تشهد اضطرابات، مما يؤثر على الاستقرار العالمي.
يبقى المستقبل محاطاً بالغموض، إلا أن هذه الخطوات الأوروبية تؤكد أن القارة العجوز تستعد لمفترق طرق تاريخي. فإما أن تتكلل جهودها ببناء كيان دفاعي أوروبي صلب قادر على حماية مصالحها، أو أن تواجه تحديات أمنية جمة في عالم تتزايد فيه التوترات وتتعاظم فيه الحاجة إلى الاستقرار.
ما رأيك في هذا الخبر؟