اقتصاد الولاء: استراتيجية طهران لشراء البقاء وسط التحديات
تتجه الأنظار مؤخراً نحو الكيفية التي يدير بها النظام الإيراني آليات بقائه في السلطة، خاصة في ظل التحديات الداخلية والخارجية المتزايدة. وتكشف تحليلات متعمقة أن الجهاز الأمني والعسكري الواسع في إيران لا يستند فقط إلى الأيديولوجيا، بل يعتمد بشكل كبير على منظومة متكاملة من الحوافز الاقتصادية، التي تشكل ما يمكن وصفه بـ"اقتصاد الولاء". هذه المنظومة تضمن أن انهيار النظام لن يهدد فقط المشروع السياسي، بل سيشكل أيضاً تهديداً مباشراً للمصالح الاقتصادية لشريحة واسعة من المستفيدين منه، مما يرسخ دعائم بقائه.
في سياق متصل، لم تكن هذه الاستراتيجية وليدة اللحظة، بل تطورت على مدار عقود، لا سيما بعد حرب الثماني سنوات مع العراق، حيث برزت الحاجة لتعزيز ولاء الفئات التي تشكل درع النظام الواقي. وتهدف طهران من خلال هذا النهج إلى خلق طبقة واسعة من المنتفعين، تشمل أفراد الحرس الثوري، والباسيج، وقوات الأمن، إضافة إلى النخب السياسية والاقتصادية الموالية. هذه الشبكة المعقدة من الامتيازات، التي تتراوح بين الرواتب المجزية، والفرص الاستثمارية الحصرية، وصولاً إلى تسهيلات ائتمانية ومناصب مرموقة، تحول دون أي تفكير في التمرد أو الانقلاب من داخل هذه المؤسسات الحيوية.
وبينما يواجه الشعب الإيراني ضغوطاً اقتصادية خانقة جراء العقوبات الدولية وسوء الإدارة، تتسع الفجوة بين طبقة المستفيدين من النظام وبقية المجتمع. هذه الفجوة تزيد من الاستقطاب الداخلي وتصعب من أي محاولة للتغيير الجذري، إذ يصبح الحفاظ على الوضع الراهن مصلحة عليا لشريحة مؤثرة وذات نفوذ. غير أن هذا النموذج يثير تساؤلات حول استدامته على المدى الطويل، ومدى قدرته على الصمود أمام المطالب الشعبية المتزايدة بتحسين الأوضاع المعيشية وتوفير العدالة الاجتماعية.
على صعيد آخر، يمثل "اقتصاد الولاء" تحدياً إضافياً للقوى الإقليمية والدولية التي تسعى للضغط على طهران. ففي الوقت الذي تستهدف فيه العقوبات الدولية الاقتصاد الإيراني بشكل عام، يبدو أن النظام يمتلك آليات داخلية لإعادة توزيع الموارد المتاحة، وإن كانت شحيحة، لضمان استمرار ولاء الفئات الأساسية التي يعتمد عليها. هذا يجعل من جهود التغيير من الخارج أكثر تعقيداً، إذ يضمن النظام وجود قاعدة دعم داخلية تتمتع بحوافز قوية للمحافظة على الوضع الراهن، حتى لو كان ذلك على حساب رفاهية غالبية المواطنين.
في المحصلة، يبدو أن النظام الإيراني قد أتقن فن شراء الولاء كأداة أساسية لبقائه، محولاً الأيديولوجيا إلى معادلة اقتصادية بحتة. غير أن هذا النموذج قد لا يكون حصناً منيعاً على الدوام، خاصة مع تزايد الغضب الشعبي وتآكل الشرعية، مما يضع مستقبل هذا "الاقتصاد" تحت مجهر التحديات المقبلة.
ما رأيك في هذا الخبر؟