البرنامج الوطني للتحول الاقتصادي 2027–2030 | قراءة تحليلية في مخرجات «منتدى مصر 2026» وهندسة الاقتصاد الكلي
الحلقة الأولى: حين تغيّر الاقتصاد لهجته
تحقيق استقصائي إعداد د. محمد غالي :
مدخل: الرقم الذي ينتظر أن يُسأل
في كل اقتصاد حكاية لا تُروى في النشرات. هناك موظف يجلس في آخر الشهر أمام ورقة صغيرة يوزّع عليها راتبه بين الإيجار والمدرسة والدواء. وهناك فلاح يحسب سعر الأردب قبل أن يقرر ماذا يزرع في الموسم القادم. وهناك شاب يؤجّل فكرة مصنع صغير لأن الطريق إلى الترخيص أطول من عمر حماسته. هؤلاء هم القرّاء الحقيقيون لأي برنامج اقتصادي، وإن لم يفتحوا وثيقة واحدة منه.
حين أعلنت الحكومة ملامح البرنامج الوطني للتحول الاقتصادي 2027–2030 في ختام «منتدى مصر 2026»، كانت أمام الاختبار القديم نفسه: كيف تتحول أرقام الاقتصاد الكلي إلى شيء يُلمس في تفاصيل اليوم؟ ولذلك لا يسعى هذا الملف إلى ترديد الأرقام، فهي معلنة ومتاحة. هو يحاول أن يفحص البناء: لماذا اختيرت هذه الأرقام تحديداً؟ وكيف تسند بعضها بعضاً؟ وما الذي ينبغي أن نراقبه كل ثلاثة أشهر لنعرف أن الرحلة تسير في الاتجاه الصحيح؟
الحلقات الأربع مرتبة كما يُفحص أي مبنى: الأساس والفلسفة أولاً، ثم محرك الاستثمار، ثم ميزان المالية العامة، ثم الطبقة التي يعيشها الناس فعلاً. وفي الطريق سنعتمد على ما أُعلن رسمياً وعلى قراءات الخبراء والنواب والأحزاب التي تلته، بمنهج يقرّ بالإنجاز حين يوجد، ويطرح السؤال حين يستحق السؤال، ويفترض أن المراجعة جزء من نضج أي برنامج لا نقيض له.
ستة أيام وسؤال واحد
من التاسع عشر إلى الرابع والعشرين من أكتوبر 2026، احتضنت العاصمة الجديدة منتدى لم يشبه المؤتمرات المعتادة في إيقاعه. سبقته ثلاثة أسابيع من التمهيد الإلكتروني وتلقي المقترحات، ثم تتابعت الجلسات التي زادت على تسع عشرة جلسة حوارية، وانتهى كل ذلك بقاعة ختامية أعلن فيها رئيس الوزراء التوصيات بحضور رئيس الجمهورية، وقيل إنها تحولت إلى تكليفات رئاسية للحكومة. وتحدث بيان حزبي لاحق عن ثمانٍ وأربعين توصية موزعة على ثمانية عشر محوراً.

هذه التفاصيل الشكلية تحمل رسالة في ذاتها. فحين تُعلن الدولة أن المتابعة ستكون شهرية تحت إشراف رئاسة الجمهورية، وأن المنتدى سيُعقد سنوياً لعرض كشف حساب علني، فهي تضع نفسها طوعاً داخل جدول مواعيد يمكن لأي مواطن أن يسألها عنه. وفي الاقتصاد السياسي، هذه الخطوة تُحسب لها، لأن الحكومات التي تخشى المحاسبة لا تُحدد أرقاماً ولا تكتب تواريخ.
من غرفة الطوارئ إلى غرفة النمو
لفهم لهجة البرنامج الجديدة، لا بد من استعادة السياق القريب. مرّ الاقتصاد المصري خلال السنوات الأخيرة بمرحلة أولوياتها كانت العاجل لا المهم: ضبط سوق الصرف، وتأمين تمويل الاحتياجات، وتخفيف العجز، والتعامل مع موجة تضخم عالمية حملت إلى كل بلد جزءاً منها. في تلك المرحلة كان المعيار الوحيد للنجاح هو الصمود. وهي مرحلة لها كلفتها، وقد تحمّل المواطن جزءاً منها، وهذا ما تقر به الخطابات الرسمية نفسها حين تتحدث عن «ثمار الإصلاح» التي ينبغي أن تصل إلى الناس.
والآن، ومع اقتراب نهاية الترتيبات القائمة مع صندوق النقد الدولي في ديسمبر 2026، يتحول السؤال من «كيف نتجاوز؟» إلى «كيف نبني؟». هذه نقلة معروفة في أدبيات الاقتصاد: بعد التثبيت يأتي التحول الهيكلي، وبعد الاستقرار يأتي النمو القائم على الإنتاج والتصدير. وقد عبّر عن ذلك المحللون الذين تناولوا المنتدى حين وصفوه بأنه محطة انتقال من إجراءات الاستقرار المالي إلى مرحلة تستهدف نمواً هيكلياً قوامه الإنتاج والتصدير. والبرنامج الجديد هو التجسيد الرسمي لهذه النقلة.

الأرقام الستة وفلسفة الربط بينها
ما الذي يستهدفه البرنامج بالتحديد؟ ستة مؤشرات رئيسية تشكل ما يمكن تسميته العمود الفقري للهندسة الكلية:
النمو الاقتصادي يرتفع من نحو 5.1% حالياً إلى 6.8% بحلول العام المالي 2029/2030. الاستثمار الكلي يصعد من 12.7% إلى 20% من الناتج المحلي الإجمالي. مساهمة القطاع الخاص في الاستثمارات تنتقل من 57.7% إلى 67%. الإيرادات الضريبية ترتفع من 13% إلى 15% من الناتج. التضخم ينخفض من 13.3% إلى نطاق بين 5% و7%. والبطالة تتراجع من 5.8% إلى 5.5%.
الخطأ الشائع في قراءة مثل هذه القوائم أن تُعامل كأهداف منفصلة. والصحيح أن بينها سلسلة سببية. الاستثمار هو الحلقة الأولى، لأنه يصنع الطاقة الإنتاجية. الطاقة الإنتاجية تصنع النمو والتشغيل. النمو والتشغيل يوسعان القاعدة الضريبية دون رفع الأسعار الضريبية. والإيرادات الإضافية تتيح الإنفاق على الخدمات الأساسية وخفض عبء الدين. وزيادة المعروض المحلي، من صناعة وغذاء وطاقة، تخفف الضغوط التضخمية. أما انخفاض التضخم فيخفض كلفة الاقتراض ويعيد الثقة للمدخرين والمستثمرين، فيدور المحرك من جديد. وهذه الدائرة الفاضلة هي المنطق الذي يعطي للأرقام معنى.
ويضيف تقدير معلن أن البرنامج يتضمن مئة وخمسة وثمانين إجراءً تستهدف النهوض بخمسة قطاعات واعدة تمثل نحو 40% من الناتج المحلي الإجمالي. وإذا صح هذا، فنحن أمام برنامج انتقائي لا يوزع الجهد بالتساوي على كل شيء، وإنما يراهن على قطاعات بعينها يرى أنها قادرة على جر بقية الاقتصاد. وهذه فلسفة ناضجة، فالموارد المحدودة تُستثمر أفضل حين تتركز.
مشروع بدأ قبل أن يُعلن
من اللافت أن البرنامج نفسه مرّ بمراحل تحضير. فقد أوضح رئيس الوزراء أنه أُعدّ بالتعاون مع خبراء ومتخصصين، وأنه شهد عدداً من المراجعات والتعديلات وصولاً إلى صورته الحالية، وأن حواراً مجتمعياً موسعاً سيُفتح بشأنه خلال شهرين لتتبلور صيغته النهائية بنهاية ديسمبر 2026. بعبارة أخرى، ما بين أيدينا مسودة معلنة وليست نصاً مغلقاً. وهذا يغيّر طريقة القراءة: نحن لا نحكم على قرار نهائي، بل نشارك في مرحلة التشكيل، وتلك فرصة لا ينبغي تفويتها.
● في الحلقة القادمة ننتقل إلى قلب المعادلة: الاستثمار، ومن سيملأ الفجوة بين الرقمين.
اقرأ أيضاً:
- السيسي في ندوة «وطن الأبطال»: خلوا بالكم من مصر.. وحافظوا على بلدكم
- وزارة المالية: الاقتصاد المصري يثبت قدرته على امتصاص الصدمات رغم الاضطرابات الإقليمية
- رستم: الاقتصاد المصري يستعيد مسار النمو القوي بـ5.1% ويستهدف 5.4% العام المقبل
- رئيس الوزراء يتابع مؤشرات النمو وبرنامج التحول الاقتصادي الوطني
- تحسن ميزان المدفوعات إلى 1.8 مليار دولار.. ماذا ناقشت المجموعة الاقتصادية برئاسة مدبولي؟
ما رأيك في هذا الخبر؟