بيبيع الوهم..ضبط دجال يستغل المواطنين بحثًا عن المال والشهرة بالإسكندرية
كتبت-آية غنيم
حين يبحث الإنسان عن المستحيل
في لحظات الضعف، قد يتعلق الإنسان بأي خيط يظن أنه قادر على تغيير واقعه، فيبحث عن علاج سريع لمشكلة، أو حل سحري لأزمة، أو إجابة غيبية لسؤال يؤرقه.. وهنا يظهر من يتاجرون باحتياجات الناس، ويبيعون لهم الوهم في صورة “علاج روحاني”، ويمزجون الدجل والشعوذة بالخرافة، حتى تتحول معاناة البعض إلى باب للربح.
ومع اشتداد الأزمات، قد يفقد البعض قدرته على التمييز بين ما هو حقيقي وما هو وهم، فيسلم عقله لمن يدعي امتلاك أسرار خفية وقدرات خارقة، بحثًا عن رغبة دنيوية عابرة، وينسى أن التعلق بالله وطلب العون منه هو الطريق الذي لا يخلف صاحبه.
وقد حذر النبي صلى الله عليه وسلم من إتيان العرافين والكهان، وجاء في الحديث: “من أتى عرافًا فسأله عن شيء لم تقبل له صلاة أربعين ليلة”، كما ورد الوعيد الشديد في تصديق ما يدعيه أهل الكهانة والعرافة. فبين الحاجة المشروعة إلى العلاج والبحث عن الحلول، وبين الوقوع في شباك الدجل، مسافة قد تبدأ بكلمة وتنتهي باستنزاف المال والعقل والطمأنينة.
من الحاجة إلى الاستغلال | الوهم يتحول إلى تجارة
وفي الإسكندرية، كشفت أجهزة الأمن عن واقعة جديدة تعكس كيف يمكن أن تتحول معاناة المواطنين واحتياجاتهم إلى وسيلة لتحقيق مكاسب مالية، بعدما أكدت معلومات وتحريات الإدارة العامة لحماية الآداب بقطاع الشرطة المتخصصة قيام أحد الأشخاص، له معلومات جنائية، بالنصب والاحتيال على المواطنين.
وبحسب التحريات، كان المتهم يزعم قدرته على تقديم ما وصفه بـ"العلاج الروحاني"، ويمارس أعمال الدجل والشعوذة، مستغلًا رغبة بعض المواطنين في الوصول إلى حلول سريعة لمشكلاتهم، قبل أن يروج لنشاطه عبر صفحات على مواقع التواصل الاجتماعي.
“هوكس بوكس”على السوشيال ميديا ..صناعة الوهم لجذب الضحايا
لم يتوقف الأمر عند ممارسة الدجل، إذ اتخذ المتهم من مواقع التواصل الاجتماعي وسيلة لتوسيع نشاطه والوصول إلى عدد أكبر من المتابعين، مقدمًا محتوى يروج من خلاله لما يدعي أنه قدرات روحانية خارقة.
وتحولت مقاطع الفيديو إلى أداة لجذب المشاهدات وصناعة حالة من الفضول حول ما يقدمه، في نموذج لما يمكن وصفه بـ"الهوكس بوكس"، حيث تختلط الخرافة بالاستعراض، ويُقدم الوهم في صورة تبدو للبعض وكأنها حقيقة أو قدرة استثنائية.
سقوط المتهم .. الهاتف يكشف التفاصيل
وبعد تقنين الإجراءات، تمكنت الأجهزة الأمنية من ضبط المتهم حال وجوده بدائرة قسم شرطة كرموز بالإسكندرية.
وعُثر بحوزته على هاتف محمول، وبفحصه تبين احتواؤه على دلائل تؤكد نشاطه الإجرامي، إلى جانب ما يتعلق بالمحتوى الذي كان يستخدمه في الترويج لنشاطه عبر مواقع التواصل الاجتماعي.
اعترافات المتهم ..تصوير الشعوذة من أجل المشاهدات
وبمواجهته، أقر المتهم بممارسة النشاط المشار إليه، كما اعترف بتصوير مقاطع فيديو أثناء ممارسته أعمال الدجل والشعوذة، ثم بثها عبر صفحته على مواقع التواصل الاجتماعي بهدف زيادة نسب المشاهدة وتحقيق أرباح مالية.
وهكذا لم يعد الأمر مجرد ادعاءات تُقال في جلسات مغلقة، وإنما تحول إلى محتوى مصور يُنتج ويُنشر ويُروج له، في محاولة لاستثمار فضول الجمهور واحتياجاته وتحويلها إلى مصدر للدخل.
بين الاحتياج والوهم
القضية تفتح من جديد باب التحذير من أولئك الذين يتاجرون بآلام الناس، فصاحب الحاجة قد يكون أكثر عرضة للتعلق بأي وعد بالحل، خصوصًا عندما يتعلق الأمر بالمرض أو تأخر الزواج أو الخلافات الأسرية أو الرغبة في تحقيق أمنية.
لكن الطريق إلى الرغبات الدنيوية لا يمكن أن يكون عبر تسليم العقل للخرافة أو تصديق من يدعي علم الغيب أو امتلاك قوى خارقة، فالدين يحث على الأخذ بالأسباب المشروعة، وطلب العلاج من أهله، واللجوء إلى الله، لا إلى أوهام تُباع مقابل المال.
إجراءات قانونية في مواجهة الدجل
تم اتخاذ الإجراءات القانونية حيال المتهم، فيما تواصل الأجهزة الأمنية جهودها لمواجهة جرائم النصب والاحتيال وملاحقة من يستغلون مواقع التواصل الاجتماعي للترويج لممارسات غير مشروعة والإيقاع بالمواطنين.
وتبقى الرسالة الأهم أن الحاجة لا تبرر تصديق الوهم، وأن الإنسان حين تضيق به الدنيا يكون أحوج ما يكون إلى الوعي، لا إلى من يستغل ضعفه؛ وإلى التمسك بالله والأسباب الصحيحة، لا إلى من يبيع له سرابًا على هيئة معجزة.
اقرأ أيضاً:
ما رأيك في هذا الخبر؟