الخليج في مرمى التوتر: هل تحصّن الثروة الاقتصادات من لهيب الحرب؟
في ظل التوترات المتصاعدة التي تخيّم على منطقة الشرق الأوسط، وتحديداً في أعقاب الحديث المتزايد عن سيناريوهات مواجهة عسكرية محتملة بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى، برزت تساؤلات ملحّة حول مدى قدرة دول الخليج العربي على تفادي الآثار الاقتصادية المدمرة لمثل هذا الصراع. وتشير تحليلات حديثة إلى أن هذه الدول تمتلك مقومات اقتصادية ومالية فريدة قد توفر لها درعاً واقية في وجه المخاطر الجيوسياسية المتفاقمة.
تأتي هذه التحليلات في وقت تشهد فيه المنطقة حالة من الاحتقان غير المسبوق، مدفوعة بتعثر الجهود الدبلوماسية لاحتواء البرنامج النووي الإيراني، وتصاعد حدة التهديدات المتبادلة بين طهران وواشنطن وتل أبيب. فمنذ الانسحاب الأمريكي من الاتفاق النووي، شهدت المنطقة سلسلة من الأحداث التي زادت من منسوب القلق، بدءاً من الهجمات على منشآت نفطية وناقلات بحرية، وصولاً إلى التصعيد العسكري في عدة بؤر إقليمية حيث تتنافس القوى الكبرى. هذا السياق المعقد يضع اقتصادات الخليج، التي تعد جزءاً لا يتجزأ من الاقتصاد العالمي، على المحك.
وبينما تبدو فكرة اندلاع حرب شاملة كابوساً اقتصادياً للعالم أجمع، لا سيما مع احتمال تعطيل مضيق هرمز الحيوي لحركة النفط العالمية، فإن دول مجلس التعاون الخليجي تتمتع بخصائص تميزها. فإلى جانب احتياطاتها الهائلة من النفط والغاز التي تمنحها ثقلاً سياسياً واقتصادياً، تمتلك هذه الدول صناديق سيادية ضخمة تُقدر بتريليونات الدولارات، فضلاً عن احتياطيات نقدية أجنبية كبيرة. هذه المقومات تمثل حائط صد قوياً أمام تقلبات الأسواق العالمية، وتسمح بضخ استثمارات لدعم الاقتصادات المحلية في أوقات الشدة، وتوفير السيولة اللازمة لامتصاص الصدمات.
غير أن التحديات لا تزال قائمة، فبالرغم من هذه المزايا، فإن المنطقة ليست بمنأى عن تبعات أي تصعيد عسكري. فمن المتوقع أن يؤدي أي صراع إلى ارتفاع حاد في أسعار النفط، وتراجع في حركة التجارة والاستثمار، وربما نزوح رؤوس الأموال. وفي المقابل، تسعى دول الخليج إلى تنويع مصادر دخلها بعيداً عن النفط، وتطوير قطاعات جديدة كالسياحة والتكنولوجيا والخدمات اللوجستية، في محاولة لتقليل اعتمادها على مورد وحيد وجعل اقتصاداتها أكثر مرونة في مواجهة الأزمات. كما أن تحركات دبلوماسية مكثفة تجري خلف الكواليس لإيجاد حلول سلمية وتهدئة النفوس، بمشاركة قوى إقليمية ودولية تسعى لتجنب الانزلاق نحو المجهول.
وفي خلاصة الأمر، تظل دول الخليج العربي أمام مفترق طرق حاسم. ففي حين أن قوتها المالية والاقتصادية قد توفر لها بعض الحماية، فإن الأفق الجيوسياسي المحفوف بالمخاطر يتطلب يقظة مستمرة وتخطيطاً استراتيجياً محكماً. القدرة على الصمود في وجه العواصف تتوقف على مدى فاعلية هذه الدول في إدارة أصولها، وتنويع اقتصاداتها، والمساهمة في جهود التهدئة الإقليمية لتجنيب المنطقة أتون صراع لا يحمد عقباه.
ما رأيك في هذا الخبر؟