100 قتيل في منجم ذهب.. الوجه المظلم لثروة أفريقيا
كتبت-آية غنيم
أكثر من 100 قتيل في انهيار منجم ذهب بأفريقيا الوسطى.. حين يصبح الرزق طريقًا إلى الموت
حين يصبح الذهب شاهدًا على مأساة إنسانية
الذهب في أعين الناس قطعة لامعة، رمز للثروة والزينة والأمان.. لكن وراء هذا البريق حكايات لا تصل إلى الأسواق، وحياة أشخاص ينزلون إلى أعماق الأرض بحثًا عن رزق قد يعيدهم إلى أسرهم بضع جرامات من المعدن، وقد لا يعيدهم إليها أبدًا.
في غرب جمهورية أفريقيا الوسطى، تحول البحث عن الذهب إلى مأساة جماعية بعدما انهار منجم حرفي في قرية زامبوي، ليدفن تحت الأنقاض أكثر من 100 شخص، معظمهم من العمال الذين دخلوا إلى المنجم بحثًا عن مصدر دخل يعين أسرهم على مواجهة الفقر.

أكثر من 100 جثمان تحت الأنقاض
وقع الانهيار الثلاثاء الماضي في منجم ذهب حرفي بقرية زامبوي، التابعة لإقليم نانا مامبيري، على بعد نحو 50 كيلومترًا من مدينة بابوا وبالقرب من الحدود مع الكاميرون.
وأكدت وكالة أسوشيتد برس (AP) أن عدد القتلى تجاوز 100 شخص، نقلًا عن جرفيه جاناجوروه (Gervais Ganagoroh)، وهو متطوع محلي في الصليب الأحمر شارك في جهود الإغاثة، والذي أوضح أن عددًا من الناجين أصيبوا بجروح خطيرة.
كما نقلت وكالة رويترز عن مسؤول كبير في جمعية تعدين محلية تأكيده أن أكثر من 100 شخص لقوا حتفهم في الانهيار.
مفقودون تحت الركام والحصيلة مرشحة للارتفاع
الكارثة لم تنتهِ عند عدد الجثامين التي جرى انتشالها، إذ لا يزال أشخاص آخرون مفقودين أو عالقين أسفل الأنقاض.
وقال برتراند بي يانجي (Bertrand Be Yangué)، عضو مجلس شباب قرية زامبوي، لوكالة أسوشيتد برس، إن العثور على المفقودين أحياء سيكون بمثابة «معجزة»، مؤكدًا أن الحصيلة مرشحة للارتفاع مع استمرار عمليات البحث.
وأضاف يانجي أن شبابًا وشابات كانوا يتوجهون إلى المناجم بحثًا عن مصدر دخل يساعد أسرهم على مواجهة ظروفهم الصعبة.

انهيار عدة أنفاق وراء الكارثة
ووفقًا لما نقلته صحيفة الجارديان عن المدعي العام في بابوا، فإن السلطات فتحت تحقيقًا قضائيًا للوقوف على أسباب الانهيار وتحديد الضحايا والمسؤولين عن تشغيل موقع التعدين.
وأوضح مدعٍ عام آخر في بابوا أن السبب المرجح للكارثة هو انهيار عدة أنفاق تحت الأرض كان العمال يعملون بداخلها.
وبذلك لا تتعامل السلطات مع الحادث باعتباره انهيارًا طبيعيًا فحسب، وإنما تبحث أيضًا في ظروف تشغيل المنجم والمسؤولية القانونية عن الكارثة.
عامل من المنجم: الأرض انهارت بالكامل
من موقع الحادث، نقلت وكالة فرانس برس (AFP) شهادة سيدريك مبانجو (Cedric Mbango)، أحد عمال المنجم، الذي وصف ما حدث بأنه كارثي.
وقال مبانجو إن الأرض انهارت بالكامل ودفنت أشخاصًا تحتها، في شهادة تعكس حجم الانهيار وسرعة تحوله إلى مأساة جماعية.
كما نقلت وكالة رويترز ووسائل إعلام دولية أخرى تفاصيل عن استمرار عمليات انتشال الضحايا والبحث عن الناجين.
نائب بابوا: الوضع مأساوي ونحتاج إلى المساعدة
وكانت السلطات المحلية قد أعلنت في الساعات الأولى للحادث حصيلة أولية أقل بكثير، قبل أن ترتفع الأعداد مع استمرار عمليات الإنقاذ وانتشال الجثامين.
وقال سليمان بي (Souleymane Bi)، نائب عمدة الإقليم، إن الوضع “مروع”، داعيًا المنظمات وكل من يستطيع تقديم المساعدة إلى دعم جهود انتشال الأشخاص الذين ما زالوا داخل المنجم.
وكانت وكالة أسوشيتد برس قد نقلت في وقت سابق عن بي أن فرق الإنقاذ والسكان تمكنوا من انتشال 30 جثمانًا في الساعات الأولى من عمليات البحث، قبل أن ترتفع الحصيلة لاحقًا إلى أكثر من 100 قتيل.

مسؤولون: العدد النهائي للضحايا لم يُحسم
وقال لوران نجون بابا (Laurent Ngon Baba)، نائب مدينة بابوا، لوكالة فرانس برس، إن السلطات تجد صعوبة في تحديد حصيلة رسمية نهائية في هذه المرحلة، في ظل استمرار عمليات البحث ووجود أشخاص لا يزال مصيرهم مجهولًا.
وتشير التقارير إلى أن عدد الأشخاص الذين كانوا داخل موقع التعدين لحظة الانهيار غير معروف بدقة، وهو ما يفسر استمرار تغير أعداد الضحايا من مصدر إلى آخر خلال الساعات الماضية.

ضحايا من أفريقيا الوسطى والكاميرون
موقع المنجم القريب من الحدود جعل الكارثة عابرة للحدود، إذ يُعتقد أن الضحايا ينتمون إلى كل من جمهورية أفريقيا الوسطى والكاميرون.
وأفادت الجارديان بأن السلطات الكاميرونية أكدت مقتل عدد من مواطنيها في الحادث، بينما أشارت تقارير أخرى إلى نقل مصابين إلى مستشفى بابوا لتلقي العلاج.
وقال جريجوار مفونجو (Grégoire Mvongo)، حاكم الإقليم الشرقي في الكاميرون، للإذاعة الحكومية، إن السلطات الكاميرونية تعمل بالتنسيق مع نظيرتها في أفريقيا الوسطى للتعامل مع تداعيات الكارثة.
التعدين الحرفي.. مصدر رزق محفوف بالموت
الحادث يكشف مشكلة أوسع من انهيار منجم واحد، فالتعدين الحرفي منتشر في جمهورية أفريقيا الوسطى، حيث يعمل آلاف الأشخاص في عمليات استخراج صغيرة تفتقر في كثير من الأحيان إلى إجراءات السلامة والمعدات اللازمة.
وتوضح أسوشيتد برس أن هذا النوع من التعدين شائع في البلاد، وأن العمال غالبًا لا يحصلون على حماية كافية أثناء العمل، وهو ما يجعل انهيارات المناجم حوادث متكررة وقاتلة.
كما ذكرت الجارديان أن جمهورية أفريقيا الوسطى شهدت بالفعل أكثر من 40 حالة وفاة مرتبطة بحوادث التعدين خلال عام 2026 قبل كارثة زامبوي، في مؤشر على أن المشكلة تتجاوز الحادث الحالي وتمس قطاعًا كاملًا يعمل فيه أشخاص تحت ظروف شديدة الخطورة.
الفقر والبطالة يدفعان الشباب إلى المناجم
التعدين بالنسبة إلى كثير من سكان المناطق الفقيرة ليس مجرد تجارة، وإنما وسيلة للبقاء.
وتشير التقارير الدولية إلى أن انتشار البطالة وغياب فرص العمل يدفعان شبابًا إلى العمل في المناجم الحرفية، حتى عندما تكون ظروف العمل غير آمنة أو تكون مواقع التعدين خارج الرقابة الرسمية.
وهنا تظهر المفارقة القاسية؛ فالعامل يدخل إلى المنجم لأنه يريد إنقاذ أسرته من الفقر، لكنه قد يجد نفسه في النهاية سببًا في دخول أسرة كاملة إلى مأساة جديدة بفقدان مصدر رزقها.
التحقيق القضائي يبحث عن المسؤولية
أعلنت النيابة العامة في بابوا فتح تحقيق قضائي لتحديد أسباب الانهيار، والتعرف على الضحايا، وتحديد الأشخاص أو الجهات المسؤولة عن تشغيل موقع التعدين، إلى جانب بحث وجود مسؤولية جنائية عن الكارثة.
وتكتسب التحقيقات أهمية خاصة في ظل الحديث عن تشغيل مناجم حرفية في ظروف تفتقر إلى معايير السلامة، وهو ما يجعل السؤال القانوني مرتبطًا أيضًا بمدى الالتزام بقواعد تشغيل هذه المواقع وحماية العاملين فيها.

عمليات الإنقاذ مستمرة
تواصل فرق الإنقاذ والمتطوعون عمليات البحث وانتشال الجثامين من موقع الانهيار، مع استخدام معدات ثقيلة للمساعدة في الوصول إلى المناطق التي غمرتها التربة.
لكن المهمة تظل شديدة الصعوبة بسبب طبيعة موقع الانهيار واحتمال وجود أشخاص أحياء تحت الركام، إلى جانب مخاطر حدوث انهيارات جديدة.
ومع استمرار عمليات البحث، لا تزال الحصيلة النهائية للضحايا غير محسومة، فيما تتزايد المخاوف من ارتفاع عدد القتلى خلال الساعات المقبلة.
خلف كل جثمان حكاية
قد تُكتب الكارثة في نهاية الأمر في سطر واحد: "أكثر من 100 قتيل في انهيار منجم ذهب".
لكن الرقم وحده لا يحكي الحقيقة كاملة؛ لأن خلف كل جثمان عاملًا خرج من منزله بحثًا عن رزقه، وأسرة كانت تنتظر عودته، وأطفالًا ربما كانوا ينتظرون منه ما يكفي ليوم جديد.
وفي النهاية، يظل الذهب مجرد معدن.. أما حياة الإنسان، فهي الشيء الذي لا يمكن تعويضه مهما ارتفعت قيمة ما يُستخرج من باطن الأرض.
ما رأيك في هذا الخبر؟