السعودية تغلق شريان النفط بعد هجوم مسيرات.. هل يشتعل سوق الطاقة؟
كتبت-آية غنيم
ضربة بطائرات مسيرة تصيب شريان النفط السعودي
في وقت تعاني فيه أسواق الطاقة العالمية من اضطرابات متلاحقة، تعرض واحد من أهم خطوط نقل النفط في السعودية لهجوم بطائرات مسيرة، في تطور يفتح الباب أمام مخاوف جديدة بشأن إمدادات النفط العالمية.
وأعلنت وزارة الخارجية السعودية، اليوم السبت، أن عدة طائرات مسيرة أُطلقت من الأراضي العراقية واستهدفت خط أنابيب شرق-غرب في منطقتي الرياض والمدينة المنورة، ما أدى إلى وقوع إصابات وأضرار مادية، مؤكدة أن التعامل مع الأضرار جارٍ.
وبحسب مصدر رسمي في وزارة الطاقة السعودية، وقع الهجوم صباح الخميس، وبعده قررت المملكة إيقاف خط الأنابيب بصورة مؤقتة كإجراء احترازي، بينما انتقلت فرق الطوارئ والفرق الفنية المتخصصة لتأمين الخط وتقييم سلامته. ولم تعلن السلطات عدد المصابين بشكل محدد.

لماذا خط «شرق-غرب» مهم لهذه الدرجة؟
هنا تكمن أهمية القصة، لأن خط أنابيب شرق-غرب، المعروف أيضًا باسم Petroline، يمتد لمسافة تقارب 1200 كيلومتر، ويربط مناطق إنتاج النفط في شرق السعودية بمنشآت وميناء ينبع على ساحل البحر الأحمر.
أهمية الخط أنه يمنح السعودية طريقًا بديلًا لتصدير النفط بعيدًا عن مضيق هرمز، الذي أصبح خلال الفترة الأخيرة نقطة شديدة الحساسية بسبب الصراع الإقليمي.
وتشير بيانات أرامكو إلى أن خط شرق-غرب وصل في الربع الأول من عام 2026 إلى طاقته القصوى البالغة 7 ملايين برميل يوميًا، وهو ما يوضح حجم الاعتماد عليه في تأمين تدفق النفط عبر الساحل الغربي للمملكة.
أما بيانات نقلتها تقارير دولية، فتشير إلى أن نحو 5 ملايين برميل يوميًا من هذه الطاقة يمكن توجيهها للتصدير، ما يجعل أي توقف في الخط ذا أهمية كبيرة بالنسبة للأسواق.
السعودية: لن نرد الآن.. لكن كل الخيارات مفتوحة
اللافت في الموقف السعودي أن الرياض لم تعلن عن رد عسكري مباشر على الهجوم حتى الآن.
وقالت وزارة الخارجية السعودية في بيان نشرته وكالة الأنباء السعودية «واس» إن المملكة قررت عدم الرد في هذه المرحلة، وذلك بناءً على طلب من رئيس الوزراء العراقي، لإعطاء الحكومة العراقية فرصة لاتخاذ الإجراءات اللازمة لمنع انطلاق هجمات من الأراضي العراقية ضد السعودية والدول المجاورة.
وأكدت الوزارة أن المملكة تحتفظ بحقها في اتخاذ جميع الإجراءات اللازمة لحماية سيادتها وأمنها ومنشآتها ومواطنيها والمقيمين على أراضيها.
بمعنى أبسط:السعودية تقول إنها لن تصعّد الآن، لكنها لا تعتبر أن خيار الرد العسكري قد أُغلق.
ماذا فعل العراق بعد الهجوم؟
العراق دخل على خط الأزمة سريعًا، وبحسب وكالة أسوشيتد برس، أكدت الحكومة العراقية أن الهجمات الأخيرة على خط النفط السعودي انطلقت من الأراضي العراقية، وتحديدًا من محافظة ميسان جنوب البلاد.
وعلى إثر التحقيقات، تم إعفاء قائد عمليات ميسان من منصبه، وبدأت السلطات العراقية إجراءات للتحقيق في كيفية انطلاق الطائرات المسيرة من الأراضي العراقية.
كما اتخذ العراق إجراءات أمنية إضافية على الحدود مع إيران، من بينها إغلاق معبري الشلامجة والشيب، وفق ما أوردته رويترز.

من يقف وراء الهجوم؟
حتى الآن، النقطة الأكثر حساسية هي تحديد الجهة التي أطلقت الطائرات المسيرة.
المؤكد بحسب السعودية والعراق هو أن الطائرات انطلقت من الأراضي العراقية، لكن التقارير الدولية تربط الهجوم بميليشيات مدعومة من إيران تنشط داخل العراق، في ظل الصراع الأوسع بين إيران والولايات المتحدة وحلفائها في المنطقة.
وهنا تظهر أهمية عدم الخلط بين مكان إطلاق الطائرات وبين الجهة التي نفذت الهجوم أو أمرت به؛ فالمصادر التي تناولت التطور أشارت إلى وجود جماعات مسلحة موالية لإيران في العراق، بينما ما زالت المسؤولية المباشرة عن الهجوم محل تحقيق.

الحوثيون يقتربون من أهم ممرات النفط
المشكلة بالنسبة للسعودية لا تقف عند حدود خط الأنابيب، ففي تطور متزامن، حقق الحوثيون في اليمن تقدمًا كبيرًا على ساحل البحر الأحمر، وسيطروا على جزيرة بريم «ميون» الواقعة عند مضيق باب المندب، كما تقدموا باتجاه مدينة المخا ومناطق ساحلية أخرى.
وباب المندب ليس مجرد مضيق عادي؛ فهو أحد أهم الممرات البحرية التي تربط البحر الأحمر بخليج عدن والمحيط الهندي، وبالتالي فإن أي تهديد لحركة السفن فيه يمكن أن ينعكس على حركة التجارة والطاقة عالميًا.
لماذا تخشى الأسواق من ارتفاع أسعار النفط؟
الصورة الآن أصبحت أكثر تعقيدًا، فالسعودية كانت تستخدم خط شرق-غرب كطريق بديل لتجنب الاعتماد الكامل على مضيق هرمز، خصوصًا مع الاضطرابات التي أثرت على حركة الملاحة في المضيق.
لكن إذا أصبح مضيق هرمز مهددًا من ناحية، وخط شرق-غرب السعودي معرضًا للهجمات من ناحية أخرى، وفي الوقت نفسه يزداد الضغط على باب المندب والبحر الأحمر، فإن عدد طرق تصدير النفط الآمنة يصبح أقل، وهذا بالضبط ما تخشاه الأسواق.
وبحسب رويترز، ارتفعت أسعار النفط إلى أكثر من 100 دولار للبرميل مع تصاعد الاضطرابات، بينما وصلت صادرات الخام السعودية إلى مستويات منخفضة للغاية مقارنة بالسنوات الأخيرة.

أرامكو كانت قد حذرت من أهمية الخط
المفارقة أن شركة أرامكو السعودية كانت قد أكدت قبل أشهر أهمية خط شرق-غرب في التعامل مع اضطرابات الملاحة.
وقال أمين بن حسن الناصر، رئيس أرامكو وكبير إدارييها التنفيذيين، في إعلان نتائج الربع الأول من 2026، إن الخط وصل إلى طاقته القصوى البالغة 7 ملايين برميل يوميًا، ووصفه بأنه شريان مهم للإمدادات، خاصة في ظل اضطرابات الشحن عبر مضيق هرمز.
وأكد الناصر أن البنية التحتية الاستراتيجية للشركة والتخطيط للطوارئ يساعدان أرامكو على الحفاظ على استمرارية الإمدادات رغم الظروف الجيوسياسية الصعبة.

ولي العهد السعودي طلب دعمًا أمريكيًا
التطور الأخطر سياسيًا أن الأزمة دفعت السعودية إلى طلب دعم عسكري أمريكي.
وبحسب موقع Axios، أجرى ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان اتصالين بالرئيس الأمريكي دونالد ترامب، طالب خلالهما بضرب الحوثيين المدعومين من إيران، بعد تقدمهم باتجاه باب المندب.
لكن واشنطن، وفق التقرير، تميل إلى تقديم دعم استخباراتي للسعودية بدل الانخراط المباشر في تصعيد عسكري جديد ضد الحوثيين.
وهنا تصبح حسابات الرياض أكثر صعوبة، لأن الرد على الحوثيين قد يفتح جبهة جديدة، وعدم الرد قد يشجع على مزيد من الهجمات.

ماذا يعني كل ذلك للمواطن العادي؟
ببساطة، القصة قد تبدو في ظاهرها بعيدة عن حياة الناس، لكنها مرتبطة بشيء يؤثر في العالم كله: الطاقة، لأن النفط لا يتحرك فقط من الحقول إلى المصافي، لكنه يحتاج إلى خطوط أنابيب وموانئ وممرات بحرية آمنة.
ولو استمرت الهجمات على منشآت الطاقة أو تعطلت طرق التصدير الرئيسية، فقد ترتفع تكلفة نقل النفط والتأمين والشحن، وهو ما يمكن أن ينعكس في النهاية على أسعار الوقود والنقل وبعض السلع في دول مختلفة.
هل نحن أمام أزمة نفط عالمية جديدة؟
حتى الآن، لا يمكن القول إن العالم دخل أزمة نقص نفطي شاملة، فالسعودية لم تعلن أن إنتاجها النفطي توقف، وإغلاق خط شرق-غرب وُصف بأنه مؤقت واحترازي، كما أن حجم الأضرار ومدة الإغلاق لا يزالان قيد التقييم.
لكن خطورة التطور تكمن في أنه يأتي في توقيت شديد الحساسية، مع اضطرابات في مضيق هرمز، وتصعيد حوثي قرب باب المندب، وهجمات على البنية التحتية للطاقة السعودية.
وبالتالي فإن السؤال لم يعد فقط: هل تستطيع السعودية إصلاح خط الأنابيب؟ بل أصبح:هل تستطيع المنطقة الحفاظ على طرق آمنة ومستقرة لنقل النفط إلى العالم؟
وهذا هو السؤال الذي ستراقبه أسواق الطاقة خلال الأيام المقبلة.
ما رأيك في هذا الخبر؟