تطويرات ملحوظة تقودها الإدارة لتحسين الخدمة
خطة طموحة للحصول على الاعتماد الصحي
تحويلات المستشفيات تضاعف الضغط على الأقسام
قسم الاستقبال والطوارئ يستقبل 600 إلى 800 حالة يوميًا
تحقيق: آية غنيم
في ظل مساعٍ متواصلة لتطوير المنظومة الصحية بمحافظة البحيرة، يبرز المعهد الطبي القومي بدمنهور كنموذج لمؤسسة طبية تشهد حراكًا ملحوظًا على مستوى التحديث والتجهيز. فخلال فترة وجيزة، عملت إدارة المعهد على تنفيذ سلسلة من التطويرات شملت تحديث الأقسام، ودعمها بأجهزة حديثة، إلى جانب التوسع في الخدمات الطبية المتخصصة، بالتوازي مع خطة تستهدف تحسين جودة الخدمة وتأهيل المعهد للحصول على الاعتماد الصحي. غير أن هذا التطوير المتسارع يصطدم بواقع يومي شديد الضغط، في ظل الإقبال الكبير وتزايد أعداد المرضى، ما يجعل تجربة المواطن داخل المعهد محكًا حقيقيًا لقياس مدى انعكاس هذه الجهود على أرض الواقع.
لم تعد المستشفى العام بدمنهور كما كانت، بعد تحولها إلى المعهد الطبي القومي بدمنهور، في خطوة استهدفت رفع كفاءة الخدمة الصحية وتطوير البنية التحتية ضمن منظومة المستشفيات التعليمية التي تشرف عليها الهيئة العامة للمستشفيات والمعاهد التعليمية. هذا التحول حمل وعودًا بتقديم خدمة طبية أكثر تطورًا، مدعومة بتجهيزات حديثة ونظام عمل يعتمد على التدريب المستمر والالتزام بمعايير الجودة.
يعد هذا التحقيق جزءًا من سلسلة تقارير ترصد أداء المعهد الطبي القومي بدمنهور، على أن تُستكمل في تقارير لاحقة جوانب أخرى من منظومة العمل داخل المعهد.
وفي هذا السياق، يرصد "الخبر لايف" واقع المعهد الطبي القومي من الداخل، عبر تتبع ملامح التطور، والاستماع إلى شكاوى المواطنين، وعرض ردود الإدارة، في محاولة لتقديم صورة متكاملة تعكس ما تحقق وما لا يزال بحاجة إلى تطوير.

زحام الاستقبال يكشف حجم الضغط اليومي
يخدم المعهد الطبي القومي بدمنهور نطاقًا جغرافيًا واسعًا لا يقتصر على محافظة البحيرة فقط، بل يمتد ليشمل مناطق من كفر الشيخ وأجزاء من الإسكندرية، وهو ما جعله وجهة لعدد كبير من المرضى يوميًا، خاصة في ظل ما يضمه من كوادر طبية متميزة وتجهيزات حديثة.
ويستقبل قسم الاستقبال والطوارئ ما يتراوح بين 600 إلى 800 حالة يوميًا، الأمر الذي يخلق ضغطًا كبيرًا على الخدمة، خاصة مع محدودية المساحة، ما دفع الإدارة إلى التوسع وزيادة عدد الأسرة. كما يوفر المعهد خدمات الطوارئ مجانًا بالكامل لمدة 48 ساعة، إلى جانب دعم القسم بأجهزة مثل الدوبلر والإيكو، ووجود طاقم طبي يعمل على مدار الساعة من مختلف التخصصات.
ورغم ذلك، اشتكى عدد من المواطنين من طول فترات الانتظار داخل قسم الاستقبال، حيث قال أ.م: "بقالي أكتر من ساعتين مستني، ومحدش عارف يقولنا الدور ماشي إزاي… الزحمة شديدة جدًا".
وفي رده على هذه الشكاوى، أوضح الأستاذ الدكتور عبد الحميد عبد الشافي، مدير المعهد الطبي القومي بدمنهور، أن الضغط الكبير على قسم الاستقبال يرجع إلى استقبال أعداد تفوق الطاقة الاستيعابية، خاصة مع قدوم حالات من خارج المحافظة، مشيرًا إلى أن الإدارة عملت على زيادة عدد الأسرة وتوسعة القسم، إلى جانب توفير طاقم طبي متكامل على مدار 24 ساعة.
وأضاف أن من بين الحلول التي تعمل عليها الإدارة للحد من التكدسات وتقليل فترات الانتظار هو التوسع في تطبيق النظام الإلكتروني لتنظيم تسجيل المرضى وتحديد الأدوار بشكل أكثر دقة، بما يسهم في تحسين سرعة تقديم الخدمة، مؤكدًا استمرار تقديم العلاج مجانًا خلال أول 48 ساعة وفقًا للتعليمات.
تحويلات المستشفيات تضاعف العبء على الأقسام
يستقبل المعهد الطبي القومي بدمنهور يوميًا عددًا كبيرًا من الحالات المحولة من المستشفيات المركزية بمختلف مراكز محافظة البحيرة، نظرًا لما يتمتع به من إمكانيات وتجهيزات طبية متقدمة لا تتوافر في العديد من هذه المستشفيات.
وتشمل تلك الخدمات استقبال الحوادث، وإجراء مناظير المسالك البولية، إلى جانب تخصصات دقيقة مثل المخ والأعصاب، والقسطرة المخية والطرفية، ووحدة كهرباء القلب ورسم القلب. كما شهدت الفترة الأخيرة إدخال عدد من العمليات المتقدمة، مثل زراعة الكبد والكلى والقرنية، وعلاج أمراض الشبكية، وتصحيح اعوجاج العمود الفقري، في ظل توافر أكثر من 20 خدمة طبية متخصصة لا يقدمها سوى المعهد الطبي القومي، وهو ما يجعله مركزًا رئيسيًا لاستقبال الحالات المعقدة.

هذا التميز في الخدمات، رغم أهميته، يفرض ضغطًا إضافيًا على المعهد في ظل الاعتماد الكبير عليه من جانب المستشفيات المركزية التي تفتقر إلى بعض هذه الإمكانيات، ما يزيد من حجم العمل داخل الأقسام المختلفة، خاصة الحيوية منها.
وفي هذا السياق، أشار بعض المواطنين إلى معاناتهم من طول الإجراءات نتيجة كثرة الحالات المحولة، حيث قال ك.م: "اتحولت من مستشفى إيتاي وجيت هنا… بس فضلت مستني وقت طويل عشان العدد كبير جدًا".
من جانبه، أوضح الدكتور عبد الحميد عبد الشافي أن استقبال هذا العدد الكبير من الحالات المحولة يعكس الثقة في مستوى الخدمة والإمكانيات المتوفرة داخل المعهد، مشيرًا إلى أن ذلك يضع عبئًا إضافيًا على الأطقم الطبية.
واقترح ضرورة تعزيز التعاون بين المستشفيات المركزية والمعهد، بحيث يتم تحويل الحالات التي تتطلب تدخلات متقدمة فقط، في حين يتم التعامل مع الحالات البسيطة داخل المستشفيات المركزية، أو من خلال التنسيق مع المعهد لإرسال فرق طبية متخصصة للإشراف على المرضى في أماكن تواجدهم بما يسهم في تخفيف الضغط وتحسين مستوى الخدمة المقدمة للمواطنين.
نقص الأدوية.. شكاوى متكررة من المرضى
وتُعد منظومة المخازن والصيدلية داخل المعهد الطبي القومي بدمنهور من العناصر الأساسية في تقديم الخدمة الطبية، حيث تعتمد جودة الرعاية بشكل كبير على توافر الأدوية والمستلزمات بشكل مستمر.
ورغم الجهود المبذولة لضمان توفير الاحتياجات اليومية، فإن الضغط الكبير على المعهد وكثرة أعداد المرضى يفرضان تحديات مستمرة في تلبية جميع المتطلبات، خاصة في ظل تنوع الحالات والتخصصات الدقيقة التي يستقبلها المعهد.
وفي هذا الإطار، اشتكى عدد من المواطنين من عدم توافر بعض الأدوية التي يصفها الأطباء بعد الكشف، ما يضطرهم إلى شرائها من خارج المعهد على نفقتهم الخاصة، حيث قال ص.غ: "الدكتور كتبلي على علاج، ولما روحت الصيدلية قالوا مش موجود… اضطريت أشتريه من بره".
من جانبه، أوضح مدير المعهد الدكتور عبد الحميد عبد الشافي أن إدارة المعهد تتابع بشكل يومي احتياجات المخازن، حيث يتم إعداد قوائم بالنواقص بشكل مستمر والعمل على تعويضها سواء من خلال الهيئة العامة للمستشفيات والمعاهد التعليمية أو من مستودعات المعهد نفسه.
وأكد أن هناك متابعة دورية على الصيدلية والمخازن لضمان توافر الأدوية والمستلزمات، مشيرًا إلى أن العديد من الخدمات والأشعات المتخصصة بما في ذلك الفحوصات المتعلقة بسرطان الثدي متوفرة داخل المعهد في إطار الحرص على تقديم خدمة طبية متكاملة للمريض.
كما أكد وجود تعاون مستمر وفعّال مع الهيئة العامة للمستشفيات والمعاهد التعليمية، مشيرًا إلى حرص الهيئة على متابعة احتياجات المعهد بشكل دوري والعمل على توفير النواقص من الأجهزة والمستلزمات الطبية، إلى جانب التواصل المستمر مع الإدارة لضمان استمرارية الخدمة بكفاءة.
وأضاف أن الدعم يمتد ليشمل مساهمات من جهات مختلفة، من بينها تبرعات بأجهزة طبية مثل أجهزة السونار بدعم من الدكتورة جاكلين عازر محافظ البحيرة، إلى جانب تعاون عدد من أعضاء مجلس النواب في توفير بعض الأجهزة، مثل أجهزة رسم السمع وغيرها، بما يسهم في دعم المنظومة الصحية داخل المعهد.

تنظيم الدخول والأمن.. بين الانضباط وشكاوى المواطنين
يُعد تنظيم حركة الدخول والخروج داخل المعهد الطبي القومي بدمنهور من الملفات المهمة التي تعتمد فيها الإدارة على شركات الأمن الخارجي بالتنسيق مع الأمن الإداري بالمعهد، لضبط حركة المرافقين وتنظيم مواعيد الزيارة داخل الأقسام المختلفة بما يضمن سير العمل داخل المعهد دون تعطيل أو ازدحام.
وفي إطار تحسين تجربة المرضى والمرافقين، قامت الإدارة أيضًا بتركيب لافتات إرشادية داخل المعهد توضح أماكن الأقسام والخدمات المختلفة بهدف تسهيل الحركة داخل المستشفى وتقليل حالات التوهان أو الارتباك ومنع حدوث أي مشاكل ناتجة عن سوء التنظيم أو عدم معرفة الاتجاهات.
وفي المقابل، اشتكى عدد من المواطنين من أسلوب تعامل بعض أفراد الأمن مع المرافقين والزائرين، حيث أشار بعضهم إلى وجود صعوبة في التعامل أو التشدد في تطبيق التعليمات وهو ما يسبب أحيانًا حالة من التوتر داخل المعهد خاصة في أوقات الزيارة أو عند مداخل الأقسام الحيوية.
من جانبه أوضح مدير المعهد الدكتور عبد الحميد عبد الشافي أن الأمن الإداري داخل المعهد هو الجهة المسؤولة عن متابعة أداء شركات الأمن والتأكد من التزامهم بالضوابط والتعليمات، مشيرًا إلى أنه يتم اتخاذ إجراءات فورية في حال رصد أي تجاوزات تشمل توقيع غرامات ومراجعة الأداء بشكل دوري.
وأضاف أن انتشار أفراد الأمن الإداري داخل المعهد يهدف إلى الرقابة المستمرة ومنع أي مخالفات مثل دخول المرافقين في غير مواعيد الزيارة الرسمية أو التواجد في أماكن غير مخصصة لهم.
وأكد أن هناك اجتماعات دورية مع شركة الأمن لتقييم الأداء وتدريب العاملين على حسن التعامل مشددًا على أن المرافقين غالبًا ما يكونون في ظروف إنسانية صعبة ولا يجوز التعامل معهم بأي صورة من صور القسوة أو التجاوز وأن تحسين أسلوب التعامل يمثل أولوية داخل المنظومة.
خطة طموحة للتطوير والحصول على الاعتماد
يشهد المعهد الطبي القومي بدمنهور توجهًا متزايدًا نحو تعزيز دوره كصرح طبي تعليمي وبحثي في إطار خطته للتطوير المستقبلي، خاصة مع الاستعداد لافتتاح كلية الطب في مدينة دمنهور وما سيترتب على ذلك من تعاون أكاديمي وطبي بين الجانبين.
ويستهدف هذا التعاون دعم الجانب التدريبي للطلاب والأطباء من خلال إتاحة الفرصة للتدريب العملي داخل أقسام المعهد المختلفة، التي تضم تخصصات دقيقة وخدمات طبية متقدمة.
كما يفتح هذا التكامل المجال أمام تعزيز النشاط البحثي المشترك بما يساهم في تطوير أساليب التشخيص والعلاج ورفع كفاءة الكوادر الطبية، إلى جانب ربط الجانب الأكاديمي بالتطبيق العملي داخل بيئة علاجية حقيقية تستقبل أعدادًا كبيرة من المرضى يوميًا.
ويأتي ذلك في إطار رؤية أوسع لتحويل المعهد إلى مركز تعليمي طبي متكامل يخدم محافظة البحيرة والمناطق المحيطة بها، ويعزز من جودة الخدمة الطبية المقدمة للمواطنين.
وفيما يتعلق بالخطط التطويرية المستقبلية داخل المعهد الطبي القومي بدمنهور، أوضح مدير المعهد الدكتور عبد الحميد عبد الشافي أن الإدارة تستهدف الوصول إلى معايير جودة دقيقة تؤهل المعهد للحصول على اعتماد الهيئة العامة للاعتماد والرقابة الصحية، بما يضمن تنظيم العمل داخل جميع الأقسام ورفع كفاءة الخدمة الطبية.
وأضاف أن خطة التطوير تشمل تنفيذ نحو خمسة مشروعات رئيسية من بينها تخصيص مبنى للاستقبال والطوارئ وتحديث منظومة الحماية المدنية والتي تشمل أنظمة الأمان داخل المعهد مثل أجهزة إنذار الحريق ومخارج الطوارئ إلى جانب تجديد المصاعد.

كما تتضمن الخطة تطوير "المنطقة الواصلة" وهي الممرات التي تربط بين أقسام المعهد المختلفة بهدف تسهيل حركة المرضى وتقليل التكدس داخل المعهد.
وأشار إلى العمل على إنشاء وحدة للتأهيل الحركي، وهي قسم متخصص في مساعدة المرضى على استعادة قدرتهم على الحركة بعد العمليات أو الإصابات، خاصة في حالات العظام والأعصاب.
كما أكد توجه المعهد نحو تطبيق نظام رقمي متكامل (Digital System)، يتيح تسجيل ومتابعة الحالة الطبية للمريض منذ لحظة دخوله وحتى خروجه، بما يسهم في تحسين دقة الخدمة وسرعة تقديمها.
وفي ظل ما يشهده المعهد الطبي القومي بدمنهور من تطويرات ملموسة وخطط طموحة، تظل التحديات اليومية حاضرة، خاصة مع حجم الإقبال الكبير والضغط المستمر على مختلف الأقسام. واقع يعكس صورة معقدة لمؤسسة تسعى للتحديث وتحسين الخدمة، لكنها في الوقت نفسه تواجه احتياجات متزايدة تفوق إمكانياتها أحيانًا.
ورغم الجهود المبذولة من الإدارة لتقليل الشكاوى وتطوير الأداء، يبقى الحكم الحقيقي في يد المواطن، الذي يقيس جودة الخدمة من خلال تجربته داخل المعهد، بين سرعة الاستجابة وتوافر الإمكانيات وحسن التعامل.
وبين خطوات التطوير المستمرة وشكاوى لم تختفِ بعد، تظل المسافة قائمة بين ما يُخطط له وما يتحقق على أرض الواقع.
وبينما تتجه الأنظار نحو تحقيق معايير الجودة والحصول على اعتماد الهيئة العامة للاعتماد والرقابة الصحية، يبقى التحدي الأكبر هو ترجمة هذه الخطط إلى واقع ملموس يشعر به كل مريض يدخل أبواب المعهد، في رحلة علاج لا تحتمل الانتظار ولا تقبل سوى خدمة تليق بحقه في الرعاية الصحية.