تحقيق - آيه غنيم :
في ظل الضغوط الاقتصادية المتزايدة وارتفاع تكاليف المعيشة، باتت شركات التمويل واحدة من أكثر الحلول انتشارًا لدى قطاعات واسعة من المواطنين، باعتبارها طريقًا أسرع وأقل تعقيدًا مقارنة بالإجراءات البنكية التقليدية.
إعلانات مكثفة ووعود بإجراءات ميسرة جعلت التمويل متاحًا بضغطة زر، لكن مع اتساع دائرة التعامل، بدأت تبرز تساؤلات عديدة حول طبيعة العقود، وإجمالي التكلفة الحقيقية، وحدود التزامات كل طرف.
“الخبر لايف” يرصد في هذا التحقيق واقع شركات التمويل من خلال تجارب متعاملين وآراء قانونيين، في محاولة لفهم ما يجري داخل هذا القطاع المتنامي، والفاصل بين التمويل كحل اقتصادي، وتحوله في بعض الحالات إلى عبء قانوني.
الفرق بين التسليف والتمويل
ورغم استخدام مصطلحي «التسليف» و«التمويل» على نطاق واسع في الإعلانات والتعاملات اليومية، فإن الفارق بينهما يظل غير واضح لدى كثير من المواطنين. فالتسليف غالبًا ما يرتبط بالحصول على مبلغ نقدي بشكل مباشر، مع التزام بسداده خلال فترة زمنية محددة، وغالبًا ما يتم خارج إطار مؤسسي واضح أو بضمانات بسيطة. أما التمويل، فيُفترض أن يكون نشاطًا منظمًا يخضع لقواعد قانونية ورقابية محددة، ويقوم على تمويل شراء سلعة أو خدمة بعقد معلن يحدد قيمة العائد، وفترة السداد، وحقوق والتزامات الطرفين. هذا الخلط بين المفهومين يجعل بعض المتعاملين يدخلون في تعاقدات تمويلية دون إدراك كامل لطبيعتها القانونية، أو لاختلافها الجوهري عن مجرد «تسليف» مؤقت، وهو ما يفسر جانبًا من الإشكاليات التي بدأت تظهر مع اتساع نشاط شركات التمويل.
ما هو i-Score وكيف يؤثر على الحصول على قرض؟
من العناصر المهمة التي تحدد شروط التمويل وقيمة الأقساط لدى شركات التمويل هو ما يُعرف بـ «i-Score»، وهو مؤشر تابع للبنك المركزي المصري لتقييم قدرة العميل على السداد. يعتمد i-Score على السجل المالي للعميل، بما في ذلك أي تمويلات أو التزامات قائمة، ويدرس أيضًا بعض المعلومات الشخصية الأساسية مثل العمر والمهنة وحالة السكن. ويؤكد خبراء التمويل أن أي تعثر في السداد، حتى لفترة قصيرة، يؤثر مباشرة على درجة i-Score للعميل، ما قد يؤدي إلى صعوبة الحصول على أي تمويل لاحق، وقد يصل الأمر إلى تجميد أرصدة العميل في جميع البنوك والشركات التمويلية لحين تسوية الالتزامات. لذلك، يعتبر فهم هذا المؤشر خطوة أساسية لأي شخص يفكر في الحصول على تمويل، لضمان اتخاذ قرار مدروس وتجنب أي أعباء مالية غير متوقعة.
حقيقة تعديل i-Score والتحذير من عمليات النصب
وينبغي أن يكون المواطنون على وعي تام بأنه لا يمكن تعديل i-Score بطريقة سحرية أو مقابل أموال. تنتشر أحيانًا شائعات أو عروض تدّعي القدرة على “تعديل” الدرجة مقابل مبالغ مالية، لكن هذه الادعاءات غير صحيحة وتشكل محاولات نصب. وفقًا للبنك المركزي، لا يُمكن تغيير المؤشر إلا من خلال إجراءات رسمية تشمل تسوية الالتزامات المالية وسداد المتأخرات وإعادة تقييم السجل الائتماني للعميل، وهي عمليات تتم وفق ضوابط قانونية واضحة. أي عرض خارج هذا الإطار يُعتبر مخالفة ويعرض المواطن للخسارة المالية أو المساءلة القانونية.
نسب الفائدة والضمانات داخل شركات التمويل
من داخل شركات التمويل، أكدت موظفات ومسؤولون أن نسب الفائدة تختلف من شركة لأخرى بحسب سياسة كل مؤسسة وطبيعة التمويل. فقد قالت ش.أ، موظفة بإحدى الشركات، إن الفائدة ثابتة بنسبة 25% سنويًا على كل العروض، بالإضافة إلى الرسوم الإدارية، مشيرة إلى أن غالبية المواطنين الذين يلجأون إلى شركتهم يكون هدفهم الأساسي توفير لقمة العيش أو تنمية مشاريعهم. وأضافت أن العملاء الذين يستخدموا القرض في الاستهلاك الشخصى يتعثروا فى سداد المبلغ المستحق ويتم اتخاذ الاجراءات القانونيه معهم ، وأكدت على الاجراءات الصارمه لتحفظ الشركه حقوقها عند التعاقد ومنها التوقيع على وصلات أمانة بقيمة المبلغ ووجود ضامن أو أكثر.
من جانبه، أوضح م.ج، مدير فرع بشركة أخرى، أن الفائدة لديهم تصل إلى 31.2% سنويًا مع 450 جنيه رسوم إدارية عند أول تعامل، ويوقع العميل على شيكات بريدية بقيمة المبلغ المستدان. وأكد أن من ليس لديه نية صادقة للسداد يجب ألا يلجأ للتمويل، لأنه يعرض نفسه للإجراءات القانونية، مشيرًا إلى أن الشركة تمنح شهرًا واحدًا كمهلة لسداد أي قسط متأخر، وبعدها يتم اتخاذ الإجراءات القانونية،وأضاف "انت بتمضى فى بنود العقد اننا نشتكيك بدون مانرجعلك" موضحًا أن لديهم نوعين من العملاء: "المستفيدون الذين يلتزمون بالدفع في ميعاده"، و"العملاء المتعثرون الذين يلجأ أهاليهم لمحاولة حل الأمر".
ومن ناحية أخرى، قالت س.س، موظفة في شركة ثالثة، إن الفائدة لديهم 28% سنويًا على قيمة المبلغ، مع وجود ضامن يوقع على شيكات بقيمة المبلغ وأضافت "الأوراق المطلوبه عشان تاخد قرض سهلة جدا البطاقه الشخصية للعميل والضامن و وصل كهرباء من بيت العميل "، مؤكدة أن الشركة تمنح العميل مهلة خمسة أيام فقط عند التعثر، وبعدها تتوجه لجان إلى منزل العميل لاتخاذ الإجراءات القانونية اللازمة.
نماذج تمويلية مختلفة: تجربة الجمعية الإنجيلية للتنمية
وفي إطار البحث عن نماذج تمويلية مختلفة داخل السوق، صرّحت المهندسة ميرفت كامل فهمي، مديرة الجمعية الإنجيلية للتنمية المتواصلة، الخاضعة لإشراف الهيئة العامة للرقابة المالية والاتحاد المصري للتمويل، لموقع «الخبر لايف»، بأن الجمعية تقدم خدماتها التمويلية لتغطية جميع فئات المواطنين وعلى مستوى الجمهورية، مشيرة إلى أن المقر الرئيسي يقع بمحافظة المنيا، مع تغطية تسعة مراكز داخل المحافظة، إلى جانب نطاق عمل ممتد في محافظات أخرى.
وأوضحت أن نسبة الفائدة البالغة 5% تُطبق على فئة مستفيدي «تكافل وكرامة»، دعمًا للفئات الأولى بالرعاية، فيما تبلغ نسبة الفائدة 14% لتمويل النساء والمشروعات الخضراء مثل أنشطة إعادة التدوير وغيرها من المبادرات البيئية، بينما تصل إلى 24% لتمويل المشروعات الصغيرة، وتبلغ 8% للقروض الموسمية المخصصة للمزارعين.
وأضافت أن طبيعة الضمانات تختلف بحسب قيمة التمويل؛ ففي الحالات ذات المبالغ الكبيرة يتم التعامل من خلال شيكات بريدية، بينما تُستخدم في الحالات العادية سندات لأمر ورقة قانونية يوقّع عليها الشخص المقترض، يتعهد فيها إنه يدفع مبلغًا محددًا في تاريخ معين أو عند الطلب، لصالح الجهة الممولة ، مؤكدة أن الجمعية تستهدف تحقيق التوازن بين دعم الفئات المستحقة وضمان استدامة النشاط التمويلي وفق الضوابط المنظمة.
تجارب المواطنين مع شركات التمويل: بين الاستفادة والتعثر
وفيما يخص تجربة المواطنين مع شركات التمويل، قال أحمد عامر، أحد المستفيدين، إنه كان بحاجة إلى شراء سيارة للعمل عليها، وخاض تجربة أربع قروض من شركات مختلفة. وأضاف: "تجربتي مع شركة واحدة كانت سيئة جدًا، التعامل مع الموظفين كان في منتهى القسوة وقلة الذوق، حسيت كأني مش مهم بالنسبة لهم". لكنه أشار إلى أن هناك شركات أخرى تمكن من خلالها سداده للأقساط بسهولة ويسر، مضيفًا بابتسامة: "أنا مخوفتش أشتغل بالطريقة دي، لأنى حاطط خطة واضحة، لو اتزنقت هبيع العربية وأسدد اللي عليا بسهولة".
أما راندا رمضان، فأوضحت أن زوجها تاجر، وكانت ترغب في مساعدته على توسيع مشروعه، فأخذت القرض باسمها. وقالت: "لما تعثر ومقدرش يسدد، اشتكونى أنا، لأن الشيكات باسمي وبقاله أربع شهور مدفعش". لكنها أضافت: "بس الحمد لله لقيت موظف ابن حلال في الشركة عمل حاجة اسمها نية سداد، ودفع من معاه مبلغ لحد ما أجمع شهرين وأدفعهم عشان متحبسش".
هذه التجارب تعكس جانبًا من الواقع اليومي للعملاء بين من يلتزم بالسداد ويستفيد من التمويل، ومن يجد نفسه أمام ضغوط كبيرة عند أي تعثر، ما يجعل معرفة الحقوق والإجراءات القانونية خطوة أساسية قبل التعاقد.
ومن الناحية القانونية:حذر المستشار القانوني معتصم الحسيني المواطنين من التعامل مع أي شركات تمويل تُعلن عن فائدة ٠٪ على القروض، واصفًا هذه الشركات بأنها غير شرعية ومشبوهة، وقد يكون لها طرق وأنشطة مرتبطة بغسيل الأموال. وأكد أن التعامل معها يشكل خطرًا قانونيًا وماليًا مباشرًا، مشددًا على ضرورة التأكد من ترخيص الشركة واعتراف البنك المركزي بها قبل توقيع أي عقود.
وفيما يخص الاقتراض القانوني، شدد الحسيني على أن الحصول على قرض لتلبية الاحتياجات الشخصية الأساسية مثل المأكل أو المسكن أو الزواج ليس مبررًا للتعرض للمخاطر القانونية، مستشهدًا بحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم: "اذهب واحتطب"، في إشارة إلى أهمية الاعتماد على العمل والقدرة الذاتية. وأضاف أن أي شخص يفكر في الاقتراض يجب أن يحسب حساباته بدقة، ويقدر ما إذا كان دخله كافيًا لسداد الأقساط، ثم يتوكل على الله.
وقدم نصيحة مهمة: في حالة التعثر ورفع دعوى قضائية من قبل شركات التمويل، لا يجب سداد الأقساط مباشرة للشركة، بل من الأفضل السداد عبر المحكمة أو بعد الحصول على توكيلاً رسميًا من الشركة أو المحامي الخاص بها، لضمان حقوق العميل. وأوضح أن الحبس في قضايا الشيكات قد يصل إلى ثلاث سنوات، مع الشغل والنفاذ، وأن العميل عند رفع الدعوى عليه يتحمل جميع المصاريف الإدارية والقانونية، بما في ذلك أتعاب المحاماة، وهو أمر يجهله كثير من المواطنين.
وأكد الحسيني أن أي عميل يرفع عليه قضية يجب أن يلجأ لمحامى أو جهة مختصة للتعامل المباشر مع الشركة، وأنه في التعاملات العملية يقوم بتقديم طلب جدولة للمبلغ، ويسعى للتوصل إلى حلول مرضية للطرفين، وإلا يصبح الموقف كما يصفه القانون: «يا الدفع يا الحبس».
كيف تتعامل بأمان مع شركات التمويل؟
كما هو واضح من هذا التحقيق أن التعامل مع شركات التمويل ليس مجرد الحصول على المال بسهولة، بل هو قرار يحتاج إلى وعي وحساب دقيق لكل خطوة. بين فهم i-Score، ومعرفة نسب الفائدة والرسوم الإدارية، وتجارب المواطنين الواقعية، يظهر أن أي تعثر أو تجاهل للإجراءات القانونية قد يترتب عليه عواقب مالية وقانونية حقيقية.
وفي الوقت نفسه، التمويل يظل أداة شرعية لدعم المشاريع الصغيرة وتلبية الاحتياجات الضرورية إذا تم استخدامه بحكمة ومسؤولية. الرسالة الواضحة لكل المواطنين أن الاستفادة من التمويل مشروطة بالمعرفة والالتزام، وأن الوقاية بالوعي المالي والقانوني هي أفضل طريقة لحماية نفسك وتحويل التمويل من عبء محتمل إلى فرصة حقيقية للنمو والاستقرار.