لماذا يؤجل شباب العالم الزواج والإنجاب؟
كتبت-آية غنيم
جيل جديد أمام قرار صعب
في دول كثيرة حول العالم، أصبح الزواج والإنجاب يأتيان في سن متأخرة، بينما تراجعت معدلات الخصوبة في عدد كبير من الدول. لكن التقارير الدولية الحديثة تقدم صورة أكثر تعقيدًا؛ فالكثير من الشباب ما زالوا يرغبون في تكوين أسرة، لكن ارتفاع تكاليف المعيشة والسكن، وعدم استقرار الوظائف، والمخاوف من المستقبل، تجعل تحقيق هذه الرغبة أكثر صعوبة.
الشباب ما زالوا يريدون الأسرة
أظهر أحدث تقرير لصندوق الأمم المتحدة للسكان لعام 2026، والذي استند إلى آراء أكثر من 108 آلاف شخص تتراوح أعمارهم بين 18 و39 عامًا في 73 دولة، أن أكثر من ثلثي المشاركين يرغبون في الزواج أو العيش مع شريك.
وتكشف النتائج أن انخفاض معدلات الإنجاب لا يعني بالضرورة اختفاء الرغبة في تكوين أسرة، وإنما قد يكون في بعض الحالات نتيجة لوجود عوائق تمنع الأشخاص من تحقيق خططهم الأسرية.

لماذا يؤجل الشباب الإنجاب؟
تضع التقارير الدولية عدة أسباب وراء تراجع معدلات الإنجاب، أبرزها ارتفاع تكاليف المعيشة، وأزمة السكن، وعدم استقرار الوظائف، وصعوبة التوفيق بين العمل والحياة الأسرية.
وفي تقرير “حالة سكان العالم 2025”، الذي أعده صندوق الأمم المتحدة للسكان بالتعاون مع YouGov وشمل 14 دولة، قال أكثر من نصف المشاركين إن الظروف الاقتصادية تمثل عائقًا أمام إنجاب العدد الذي يرغبون فيه من الأطفال، إلى جانب عوامل أخرى مثل عدم الاستقرار الوظيفي وارتفاع تكاليف السكن والقلق بشأن المستقبل.

السكن يؤجل حلم الأسرة
بالنسبة إلى كثير من الشباب، يبدأ التفكير في الإنجاب بسؤال: أين سأعيش مع طفلي؟
ارتفاع أسعار العقارات والإيجارات، إلى جانب صعوبة الحصول على وظيفة مستقرة، يجعل تأسيس منزل مستقل خطوة صعبة، فيؤجل البعض الزواج والإنجاب حتى يتحسن وضعهم المالي.
وتشير منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية إلى أن صعوبة تحمل تكاليف السكن، وتأخر الاستقرار في سوق العمل، وصعوبة التوفيق بين العمل والأسرة، كلها عوامل ارتبطت بتراجع الخصوبة في دولها.
الأرقام تكشف حجم التحول
في دول منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، انخفض متوسط معدل الخصوبة من 3.3 طفل لكل امرأة عام 1960 إلى 1.5 طفل عام 2022، وهو أقل من مستوى الإحلال السكاني البالغ نحو 2.1 طفل لكل امرأة.
وتحذر المنظمة من أن استمرار انخفاض الخصوبة لفترات طويلة قد يؤدي إلى تراجع عدد السكان وزيادة نسبة كبار السن مقارنة بالسكان في سن العمل، ما يفرض ضغوطًا على الاقتصاد وأنظمة المعاشات والرعاية الصحية.

كوريا الجنوبية.. نموذج لانخفاض المواليد
تعد كوريا الجنوبية من أبرز الأمثلة على أزمة انخفاض الخصوبة، وسط ارتفاع تكاليف السكن والتعليم وضغوط العمل وصعوبة التوفيق بين الحياة المهنية والأسرية.
وتحاول الحكومة مواجهة الأزمة عبر دعم الأسر وتوسيع خدمات رعاية الأطفال، لكن التجربة توضح أن الحوافز المالية وحدها قد لا تكون كافية إذا استمرت صعوبات السكن والعمل وارتفعت تكلفة تربية الأطفال.
اليابان.. مجتمع يتقدم في العمر
تواجه اليابان أيضًا انخفاضًا طويل الأمد في أعداد المواليد، بالتزامن مع ارتفاع نسبة كبار السن، وهو ما يفرض تحديات على سوق العمل ونظام المعاشات والرعاية الصحية.
وتحاول الحكومة دعم الأسر وتحسين خدمات رعاية الأطفال، لكن المشكلة أصبحت أعمق من مجرد عدد المواليد، بعدما بدأت تؤثر في شكل المجتمع والاقتصاد ومستقبل القوى العاملة.
إيطاليا وإسبانيا.. أزمة أوروبية
في دول مثل إيطاليا وإسبانيا، ترتبط معدلات الخصوبة المنخفضة بعوامل متعددة، من بينها تأخر الزواج والإنجاب، وارتفاع تكاليف السكن، وصعوبة تحقيق الاستقرار الوظيفي.
ومع تأخر تكوين الأسرة إلى سن أكبر، تقل الفترة المتاحة للإنجاب، وهو ما يساهم في انخفاض متوسط عدد الأطفال لدى بعض الأسر.

العالم أمام مشكلتين متناقضتين
لا تعاني جميع الدول من انخفاض المواليد بنفس الدرجة فهناك دول، خاصة في أجزاء من إفريقيا، ما زالت تتمتع بمعدلات خصوبة أعلى وتواجه نموًا سكانيًا سريعًا يحتاج إلى توفير مزيد من الوظائف والخدمات.
وفي المقابل، تواجه دول أخرى خطر انخفاض عدد السكان وشيخوخة المجتمع.
وهكذا يعيش العالم مفارقة ديموغرافية: دول تخشى من قلة المواليد، وأخرى تواجه تحديات الزيادة السكانية.

هل الشباب يرفضون الأطفال فعلًا؟
الإجابة وفق التقارير الأممية: ليس بالضرورة، ففي تقرير صندوق الأمم المتحدة للسكان لعام 2025، وجد الباحثون أن المشكلة في كثير من الحالات ليست غياب الرغبة في الإنجاب، وإنما وجود عوائق تمنع الأشخاص من تحقيق العدد الذي يرغبون فيه.
وبحسب التقرير، توقع نحو واحد من كل خمسة أشخاص شملهم البحث ألا يتمكن من إنجاب العدد الذي يريده من الأطفال، بينما قال أكثر من نصف المشاركين إن العوامل الاقتصادية تمثل عائقًا أمام تحقيق رغباتهم الإنجابية.

المرأة أمام معادلة أصعب
لا تتعلق القضية بالمال فقط؛ فالتقارير الدولية تشير إلى أن توزيع مسؤوليات رعاية الأطفال والأعمال المنزلية يمكن أن يؤثر أيضًا في قرارات الإنجاب.
فإذا كانت المرأة مطالبة بالعمل وتحمل مسؤوليات المنزل ورعاية الأطفال في الوقت نفسه، دون دعم كافٍ، فقد يصبح قرار الإنجاب أكثر صعوبة.
ولهذا يدعو صندوق الأمم المتحدة للسكان إلى سياسات تساعد الأسر، مثل إجازات رعاية الأطفال المدفوعة، وتوفير خدمات رعاية أطفال بأسعار مناسبة، وتحسين الوصول إلى خدمات الصحة الإنجابية.

ماذا يحدث للدول إذا قل عدد المواليد؟
انخفاض الإنجاب لفترة طويلة يمكن أن يغير شكل المجتمع؛ فعدد أقل من الأطفال يعني في المستقبل عددًا أقل من الشباب، بينما ترتفع نسبة كبار السن.
وقد تواجه الدول نتيجة لذلك نقصًا في أعداد السكان القادرين على العمل، وضغوطًا أكبر على أنظمة المعاشات والرعاية الصحية، وقد تضطر إلى الاعتماد بدرجة أكبر على الهجرة أو التكنولوجيا لتعويض النقص في القوى العاملة.
وماذا عن مصر؟
رغم أن مصر تختلف ديموغرافيًا عن الدول التي تعاني من انخفاض شديد في الخصوبة، فإن الأسباب التي تناقشها التقارير العالمية تظل قريبة من واقع كثير من الشباب، مثل ارتفاع تكاليف الزواج والسكن، والرغبة في تحقيق الاستقرار الوظيفي قبل تكوين الأسرة.
لكن لا يمكن نقل تجارب كوريا الجنوبية أو اليابان أو أوروبا إلى مصر بشكل مباشر، فلكل دولة ظروفها السكانية والاقتصادية والاجتماعية.

المشكلة ليست في الرغبة.. بل في القدرة
التقارير العالمية تقدم صورة أكثر تعقيدًا من فكرة أن جيلًا كاملًا قرر رفض الإنجاب.
هناك بالفعل أشخاص يختارون عدم إنجاب الأطفال لأسباب شخصية، لكن هناك أيضًا كثيرون يريدون تكوين أسرة، إلا أن ارتفاع تكاليف الحياة وتأخر الاستقرار وصعوبة السكن والعمل تجعل تحقيق هذا الحلم أكثر صعوبة.
ولهذا، فإن السؤال الحقيقي الذي يواجه كثيرًا من الشباب ليس: “هل نريد أطفالًا؟”، بل: “هل نستطيع تحمل تكلفة إنجابهم وتربيتهم في الظروف الحالية؟”
وبين ارتفاع الأسعار وأزمة السكن وعدم استقرار الوظائف وتغير شكل الحياة، يجد كثير من الشباب أنفسهم أمام قرار تأجيل الزواج والإنجاب.
لذلك، فإن مواجهة أزمة انخفاض المواليد لا تتعلق فقط بدعوة الشباب إلى إنجاب المزيد من الأطفال، وإنما تحتاج إلى خلق ظروف تسمح لهم بتحقيق الحياة الأسرية التي يريدونها، دون أن يصبح تكوين الأسرة عبئًا يفوق قدرتهم.
ما رأيك في هذا الخبر؟