تحقيق - آية غنيم :
مع اقتراب شهر رمضان، تبدو الاستعدادات هذا العام مختلفة في الشارع المصري، حيث لم تعد الحركة داخل الأسواق تعكس أجواء المواسم السابقة، في ظل ارتفاع الأسعار وتراجع القدرة الشرائية، وهو ما فرض واقعًا جديدًا على موائد الأسر المصرية قبل حلول الشهر الكريم.
وبمقارنة أسعار السلع الأساسية خلال المواسم السابقة بالأسعار الحالية، يتضح حجم الارتفاع الذي انعكس بشكل مباشر على سلوك الشراء لدى المواطنين. فبعد أن كان سعر كيلو اللحوم البقري في المواسم الماضية يتراوح بين٢٥٠ و٣٠٠ جنيه، تجاوز سعره هذا الموسم حاجز ٤٠٠ جنيه، ما دفع كثيرين إلى تقليل الكميات أو اللجوء إلى بدائل أقل تكلفة.
وعلى مستوى الدواجن، ارتفع سعر الكيلو من متوسط ٦٥ إلى ٨٠ جنيهًا في المواسم السابقة، ليصل حاليًا إلى ما بين ١٠٠ و١٥٠ جنيهًا، بحسب اختلاف المناطق، الأمر الذي جعل شراء الدواجن أيضًا عبئًا على كثير من الأسر.
أما ياميش رمضان، الذي كان يمثل عنصرًا أساسيًا على موائد الأسر المصرية، فقد شهد زيادات ملحوظة، حيث ارتفع سعر كيلو البلح والتمر من متوسط ٢٠ إلى ٣٠ جنيهًا في المواسم الماضية إلى ما بين ٦٠ و١٠٠ جنيه هذا العام، فيما قفزت أسعار المكسرات والزبيب وجوز الهند بنسب متفاوتة، ما دفع المواطنين إلى الاكتفاء بشراء أصناف محدودة أو الاستغناء عن بعضها تمامًا.
في ظل هذه الزيادات المتتالية، لم تظل الأرقام حبيسة القوائم والأسعار، بل انعكست بوضوح على سلوك الشراء اليومي للمواطنين، الذين اضطروا إلى إعادة ترتيب أولوياتهم مع اقتراب شهر رمضان.
وفى جولة صحفية رصد موقع “الخبر لايف” أراء عدد من المواطنين حيث قالت منى عبد اللطيف ،ربة منزل، إن الاستعداد لرمضان لم يعد كما كان، مشيرة إلى أن الأسرة استغنت هذا العام عن وجود اللحوم على المائدة الرمضانية ، واستبدلتها بالبقوليات والخضروات، كحل أقل تكلفة ، مؤكدة أن الحلويات الجاهزة لم تعد تدخل المنزل، بعدما أصبحت أسعارها تمثل عبئًا إضافيًا لا يمكن تحمله.
أوضحت أم أحمد، بائعة خضروات، أنها لم تعد تلجأ إلى تخزين السلع قبل رمضان، وقالت: «اللي جاي على قد اللي رايح، وبقيت أعيش يوم بيوم بدل ما أمد إيدي لحد».
وأكدت رضا محمد، موظفة، أنها اضطرت إلى استبدال شراء اللحوم البقري بلحوم الرأس باعتبارها أقل تكلفة، موضحة: «بدل ما أشتري كيلو لحمة بـ٤٢٠ جنيه، بشتري كيلو لحمة رأس بـ١٨٠ جنيه». وأضافت: «صحيح العيال مش بيحبوها، بس بحاول أضحك عليهم وأفهمهم إنها لحمة زي أي لحمة، أعمل إيه؟».
وأشارت إلى أن تكلفة وجبة الغداء الواحدة قد تتجاوز ٥٠٠ جنيه، في حال شراء كيلو لحوم بقري إلى جانب كيلو أرز بـ٣٥ جنيهًا، بخلاف أسعار الخضروات.
وعلى الجانب الآخر، لم تكن الأسواق بعيدة عن تأثير الارتفاعات الأخيرة، إذ يرى التجار أنفسهم أمام تحديات مختلفة تؤثر على حركة البيع والشراء خلال شهر رمضان.
أوضح محمد بسيوني، صاحب محل، أن حركة البيع قبل شهر رمضان هذا العام جاءت أقل من المواسم الماضية، لافتًا إلى أن الغلاء دفع المواطنين للاكتفاء بشراء أصناف محدودة من ياميش رمضان.
وأضاف أن الإقبال الكبير الذي كان يشهده البلح والتمر في المواسم السابقة تراجع بشكل ملحوظ، وأصبح لا يستمر سوى ساعة واحدة يوميًا في بعض الأحيان.
وأوضح محمد أبو جاموس، تاجر، أن البيع ينشط لبضعة أيام بعد صرف المعاشات، ثم تتوقف الحركة مرة أخرى، مشيرًا إلى أن «اللي كان بياخد كيلو بقى ياخد ربع».ورغم الضغوط، يحرص كثير من المواطنين على الحفاظ على طقوس الشهر الكريم الأساسية، من تجمع الأسرة على مائدة الإفطار، والالتزام بالعبادات، ومساعدة المحتاجين في حدود الإمكانيات، مؤكدين أن روح رمضان تظل حاضرة، مهما تغيّرت ملامح الموائد.
وبين ارتفاع الأسعار ومحاولات التكيف، تكشف موائد رمضان هذا العام عن واقع اقتصادي ضاغط، لكنها في الوقت نفسه تعكس قدرة الأسر المصرية على الصمود وإعادة ترتيب أولوياتها، في انتظار شهر كريم بروحه قبل موائده.