شهود عيان يروون لحظات الذعر بعد ميل عمارة حديثة
قرارات إخلاء وتحقيقات رسمية بعد وقائع الانهيار الجزئي
تساؤلات حول الرقابة على تراخيص البناء وسلامة التنفيذ
خبير إنشائي: التربة والمياه الجوفية والأدوار المخالفة أبرز الأسباب
تحقيق: آية غنيم
في لحظة، قد يتحول بيتك الذي ظننته آمنًا لأنه "لا يزال جديدًا" إلى خطر يهدد حياتك وحياة من حولك. لم تعد الكارثة مرتبطة بعقارات متهالكة أو بيوت مر عليها الزمن، بل أصبحت بعض المباني الحديثة نفسها على حافة الانهيار.
وخلال الفترة الأخيرة، تصاعدت وقائع تصدع عقارات حديثة الإنشاء في دمنهور، لم يمر على بنائها سوى سنوات قليلة، حيث بدأت الشروخ في الظهور بجدرانها قبل أن تتطور إلى ميول إنشائية خطيرة، وصلت في بعض الحالات إلى التأثير على المباني المجاورة وتهديد سلامة سكانها.
ولم يعد المشهد مجرد عيوب بناء عابرة، بل مؤشرًا على خلل أعمق يطرح تساؤلات ملحة: كيف تتحول مبانٍ حديثة إلى مصدر خطر خلال فترة قصيرة؟ ومن المسؤول عن هذا الخلل الذي قد يكلف أرواحًا؟
في هذا التحقيق، يفتح "الخبر لايف" ملف "العقارات الحديثة المتصدعة"، ونرصد الوقائع على الأرض ونبحث في الأسباب والمسؤوليات، في محاولة للإجابة عن السؤال الأهم: هل أصبح السكن الآمن في بعض المناطق أمرًا غير مضمون؟
واقعة شارع المشير.. عمارة حديثة تميل بعد انهيار جزئي
في ظل هذه المخاوف المتصاعدة، لم تعد التحذيرات مجرد افتراضات، بل تحولت إلى وقائع على الأرض تعكس حجم الأزمة. فخلال الأيام الماضية، شهدت دمنهور حادثة لافتة تُجسد بوضوح خطورة تصدع العقارات الحديثة، وتكشف كيف يمكن أن يتحول مبنى جديد في لحظات إلى مصدر تهديد حقيقي للمباني المجاورة وسكانها.
ففي شارع المشير، شهد أهالي المنطقة واقعة جديدة تعكس خطورة الأزمة، حيث تعرض عقار حديث مكون من 9 طوابق لانهيار جزء من أحد جدرانه إلى الداخل، ما أدى إلى حدوث تصدعات واضحة في هيكله الإنشائي، تسببت بدورها في ميل العقار على المبنى المجاور، مهددًا سلامة سكانه.
وبحسب روايات الأهالي، بادر أحد السكان بإبلاغ الجهات الأمنية فور ملاحظته التصدعات، لتتحرك الأجهزة المعنية على الفور إلى موقع الحادث، حيث انتقلت قوات الحماية المدنية والأجهزة التنفيذية لمعاينة العقار وفرض كردون أمني بمحيطه.

قرارات الإخلاء والتحقيقات الرسمية
وقال أحد المكلفين بتأمين الموقع إن النيابة العامة انتقلت إلى مكان الواقعة وبدأت التحقيق، فيما تم اتخاذ قرار بإخلاء العقارات المجاورة بالكامل كإجراء احترازي لحماية أرواح المواطنين، لحين انتهاء لجنة مختصة من الهيئة الهندسية ومجلس المدينة من فحص العقار وتحديد مدى صلاحيته للسكن.
وأكد أن الجهات المعنية لن تتهاون في محاسبة أي مسؤول يثبت تقصيره، مشددًا على أن سلامة المواطنين تأتي في مقدمة الأولويات، وأن كل من يثبت تورطه في مخالفات إنشائية سيخضع للمساءلة القانونية.
شهود عيان: لحظات رعب بعد ظهور التصدعات
وبين التقارير الفنية والإجراءات الرسمية، يبقى صوت الأهالي هو الأكثر تعبيرًا عن حجم الخطر على الأرض، حيث تعكس شهاداتهم تفاصيل اللحظات الأولى للواقعة وما صاحبها من حالة خوف وارتباك، تكشف عن واقع يعيشه السكان لحظة بلحظة داخل منازل لم تعد تمنحهم الإحساس بالأمان.
وكشف شهود عيان من سكان المنطقة تفاصيل اللحظات الأولى للواقعة، مؤكدين حالة من الذعر سيطرت عليهم عقب ظهور التصدعات بشكل مفاجئ.
وقال "م.ن"، أحد سكان العقار المجاور: “سمعنا صوتًا شديدًا، وبعدها مباشرة ظهرت شروخ في الحوائط، وخلال دقائق بدأ تساقط الأتربة داخل الشقق، فقمنا بالاتصال بالشرطة التي استجابت على الفور، وانتقلت إلى المكان، وتم إخلاء العقار لحين انتهاء اللجان الهندسية من الفحص، مع استمرار التحقيقات.”
وفي السياق ذاته، أوضح "ت.أ" أن العقار محل الواقعة كان حديث الإنشاء ولم يكن مأهولًا بالكامل، قائلًا: "العمارة جديدة بالكامل تقريبًا، ولم يكن يسكن فيها سوى شخص واحد في الدور الأخير".

أدوار إضافية بعد البناء تثير الشكوك
وأكد عدد من الأهالي أن العقار شهد تغييرات إنشائية ملحوظة خلال فترة قصيرة، حيث أشاروا إلى أنه “منذ عام واحد فقط كان مكوّنًا من 6 طوابق، وخلال عام واحد تم رفعه إلى 9 طوابق، لتبدأ بعدها مباشرة ظهور التصدعات رغم حداثة المبنى.”
واقعة أخرى.. سقوط جدار عقار مكوّن من 11 طابقًا
ولم تكن هذه الحادثة الأولى من نوعها في دمنهور، فقبل نحو أسبوع، وبالتزامن مع أول أيام تطبيق قرار غلق المحال، شهدت إحدى المناطق واقعة مشابهة بعدما انهار الجدار الجانبي لعقار مكوّن من دور أرضي و11 طابقًا، ما تسبب في أضرار مادية بعدد من العقارات المجاورة.
وبحسب شهود عيان، أدى سقوط الجدار إلى حدوث عطل في شبكة الكهرباء بالمنطقة، كما تضرر العقار المجاور بشكل مباشر نتيجة سقوط الجدار عليه، إلى جانب تضرر واجهة عقار آخر مقابل له، حيث تعرض مدخله لكسر جزئي.
وقال "ع.م": “كنت موجودًا وقت الحادث، وسقوط الجدار سبب أضرارًا للبيوت المحيطة ومشكلة في الكهرباء، لكن الحمد لله كان وقت الحظر، ولم يُصب أحد من الأهالي، رغم أن المكان يكون به سيارات ومارة بشكل مستمر.”

مشكلات إنشائية منذ بداية التنفيذ
من جانبه، أشار محمد الجويلي، أحد الأهالي، إلى وجود مشكلات إنشائية منذ بداية تنفيذ العقار، موضحًا أن “المياه الجوفية كانت مرتفعة في الأرض بحوالي 6 أمتار، وكانت تعود للظهور رغم محاولات سحبها أثناء البناء.”
وأضاف أنه تقدم بشكوى بسبب ما وصفه بعدم تساوي مستوى التأسيس، حيث تم تنفيذ الواجهة بأساسات قوية وخوازيق خرسانية، في حين أن الجزء الخلفي اعتمد على أعمدة دون أساسات كافية تتحمل مبنى بهذا الارتفاع.
أزمات مرافق تعطل تسليم الوحدات السكنية
وأكد أن العقار ما زال يواجه أزمات خدمية، حيث لم يتم توصيل المرافق الأساسية إليه بشكل كامل، ما حال دون تسليم عدد من الوحدات السكنية لأصحابها، مشيرًا إلى أن بعض المشترين لم يتمكنوا من استلام شققهم لعدم توافر الغاز أو الكهرباء أو المياه.
وأضاف: “هناك حالات اشترت شققًا وجهزتها، لكنها اضطرت لتركها واستئجار مساكن أخرى بسبب المشكلات المستمرة وعدم القدرة على الاستلام حتى الآن.”
أضرار كهربائية وخسائر مادية بالعقارات المجاورة
وأضاف إياد خالد عبيد، صاحب العقار المتضرر من سقوط الجدار، أن المشكلات مع العقار بدأت منذ مرحلة الإنشاء، مشيرًا إلى وجود تجمعات مياه داخل الجراج منذ بداية الأعمال، قبل أن تتفاقم الأوضاع وصولًا إلى حادث سقوط الجدار.
وأوضح أن الواقعة تسببت في أضرار إضافية، منها تلف عدد من الأجهزة الكهربائية داخل العقار نتيجة ارتفاع مفاجئ في الجهد الكهربائي بعد سقوط الجدار وتأثر شبكة الكهرباء بالمنطقة، لافتًا إلى أن الشارع شهد أيضًا تساقط كميات كبيرة من الطوب داخل محيط منزله.
وأشار إلى أنه بالتواصل مع شركة الكهرباء تم الدفع بلجنة فنية قامت بإصلاح الأعمدة والأسلاك الرئيسية التي تعرضت للقطع نتيجة الحادث، وإعادة تأمين الشبكة الكهربائية بالمنطقة.

نزاعات قانونية ومخالفات إنشائية
وأضاف أن الخلافات مع ملاك العقار لم تبدأ من الحادث الأخير فقط، بل تعود إلى مراحل سابقة، حيث أكد أن مساحة أحد المحال التجارية أمام العقار تم التعدي عليها وتقليصها بنحو 10 أمتار، ما دفعه لتقديم شكاوى رسمية دون استجابة، على حد تعبيره.
كما أشار إلى أن الحادث استدعى تدخل الحماية المدنية، التي حررت محضرًا بالواقعة، وتم عرضها على النيابة العامة مدعومة بالصور والمعاينات.
وقال: " كنت أرافق ابني وهو يلعب في الشارع قبلها بيوم، وتخيل لو كان الحادث وقع وقتها وكان ابني موجودًا… كنت سأكون في أي موقف؟"، في إشارة إلى حجم الخطر الذي شعر به عقب الواقعة.
تقارير فنية ترصد مخالفات تتجاوز 25%
وأوضح أن المياه ما زالت متراكمة داخل الجراج، ما يمثل تهديدًا مباشرًا للعقارات المجاورة، بحسب وصفه، مؤكدًا أن لجنة من مجلس المدينة قامت بالمعاينة وأثبتت وجود مخالفات إنشائية تتجاوز 25%، كما تم إزالة ما تبقى من الجدار بعد الحادث مع تحرير تقرير بإيقاف الأعمال الخاصة بالعقار.
واختتم حديثه بالإشارة إلى أنه بدأ بالفعل اتخاذ إجراءات قانونية ضد ملاك العقار، في ظل استمرار التحقيقات في الواقعة.

تصدعات بين عمارتين تعيد ملف سلامة البناء
لم تتوقف سلسلة الوقائع عند حادثتي شارع المشير وسقوط الجدار في العقار المكوّن من 11 طابقًا، إذ شهد الشارع الجديد بمدينة دمنهور قبل نحو شهرين حادثة أخرى من النوع نفسه، بعدما ظهرت تصدعات واضحة بين عمارتين متجاورتين، ما أثار حالة من القلق بين السكان ودفعهم للإبلاغ عن الموقف قبل تفاقمه.
وبحسب روايات الأهالي، بدأت الشروخ في الظهور بشكل تدريجي بين المبنيين قبل أن تتسع بشكل ملحوظ، الأمر الذي اعتُبر مؤشرًا على وجود خلل إنشائي قد يؤثر على سلامة العقارات المتجاورة، خاصة في منطقة سكنية مزدحمة.
متابعة فنية أكدت صلاحية أحد العقارات للسكن
وقال "م.ك"، أحد أصحاب المحال الموجودة بالعقار، إن الأهالي فوجئوا بصوت قوي أثناء وجودهم داخل المسجد القريب، ما دفعهم إلى الخروج سريعًا ومتابعة ما حدث، مضيفًا أنه تم التواصل مع الجهات الأمنية على الفور.
وأوضح أنه لم تنتج عن الواقعة أي خسائر بشرية أو مادية، مشيرًا إلى أنه تم الدفع بلجنة فنية لمعاينة الوضع الإنشائي، حيث قامت بتركيب أجهزة قياس على سطح العقارين لمدة شهر، بهدف متابعة مدى تطور الشروخ والتأكد من استقرار الحالة الإنشائية.
وأضاف أن التقرير الفني الصادر عقب فترة المتابعة أشار إلى أن الشروخ لم تشهد زيادة ملحوظة، وأن المبنى يُعد صالحًا للسكن وفقًا للمعاينات التي تمت في ذلك التوقيت.

ملاك يطلبون قرارات إزالة لتجنب الكوارث
وفي مقابل هذه الوقائع المثيرة للقلق، تبرز نماذج أخرى من أصحاب العقارات الذين واجهوا مشكلات إنشائية مبكرًا، فاختاروا طريقًا مختلفًا يتمثل في اللجوء إلى الجهات المختصة وطلب قرارات إزالة، رغم ما تكبدوه من خسائر مالية كبيرة في تلك المباني، وذلك في محاولة لتجنب أي أضرار قد تطال السكان أو المباني المجاورة.
وتعكس هذه الحالات جانبًا آخر من المشهد، حيث يوازن بعض الملاك بين حجم الاستثمار المادي والمسؤولية الأخلاقية والقانونية تجاه سلامة الأرواح، حتى وإن كان القرار يعني خسارة كاملة لما تم بناؤه.
إجراءات تراخيص البناء.. ماذا تقول الجهات المختصة؟
من جانبها، أوضحت "أ.ص"، مهندسة بديوان عام المحافظة، أن الإجراءات المتبعة قبل إصدار تراخيص البناء تمر بعدة مراحل فنية ورقابية، تبدأ بانتقال لجنة من مجلس المدينة لمعاينة الموقع والتأكد من صلاحيته للبناء من عدمه، باعتبار ذلك أحد الاختصاصات الأساسية للجهة المحلية.
وأضافت أن ملف التصالح أو طلبات استكمال الأعمال الإنشائية يتم التعامل معه من خلال لجان فنية مختصة يتم تشكيلها لفحص حالة المبنى ومدى سلامة بنيته الإنشائية ومدى قدرته على تحمل أدوار إضافية.
وأشارت إلى أن هذه اللجان هي التي تصدر التوصية النهائية بالموافقة على البناء أو رفضه، وفقًا لما تسفر عنه المعاينة الفنية، بما يضمن في الأساس الحفاظ على السلامة الإنشائية للعقارات وسلامة الأرواح.

خبير إنشائي: التربة والأساسات في صدارة أسباب التصدعات
لكن ما حدث في دمنهور لا يمكن اختزاله في مشهد انهيار أو ميل مفاجئ، فخلف هذه اللحظات الصادمة تقف تفاصيل هندسية معقدة لا تُرى بالعين المجردة.
لفهم ما جرى بشكل أدق، كان من الضروري الرجوع إلى رأي متخصص في تصميم المنشآت الخرسانية، لتفسير كيف يمكن لمبنى حديث أن يتحول في لحظات إلى مصدر خطر، ليس فقط على قاطنيه، بل على ما يحيط به من مبانٍ أيضًا.
أوضح المهندس أحمد عطا مرسي، استشاري تصميم المنشآت الخرسانية، أن ما تشهده بعض المباني الحديثة من تصدعات أو ميل مفاجئ يرتبط في الأساس بعوامل إنشائية مركبة، يأتي في مقدمتها طبيعة التربة وسوء اختيار نظام الأساسات.
وأشار إلى أن مدينة دمنهور تتميز بطبيعة تربة طينية، وهي من الأنواع التي تتطلب دراسة دقيقة قبل البناء، موضحًا أن: “حوالي 80% من مشاكل التصدعات سببها سوء اختيار نظام الأساسات، وده بيبدأ من الأول خالص من غير تقرير تربة سليم.”
المياه الجوفية.. خطر صامت يظهر بعد سنوات
وكشف مرسي عن عامل آخر لا يقل خطورة، وهو تأثير المياه داخل التربة الطينية، موضحًا أن: “الضغط على التربة يُخرج مياهًا مع الوقت، وبعد سنتين أو ثلاثة تبدأ التصدعات في الظهور.”
وهو ما يؤدي إلى تقليص العمر الافتراضي للمبنى بشكل كبير، حيث قال: “بدل ما المبنى يعيش 50 سنة، ممكن تظهر مشاكله بعد 3 سنوات فقط.”
كما حذر من تأثير المياه على الخرسانة وحديد التسليح، خاصة في حال احتوائها على مواد كيميائية مثل الكبريتات التي تؤدي إلى تآكل الخرسانة وصدأ الحديد، ومن ثم ظهور الشروخ.
وأضاف: “لحل مشكلة المياه نستخدم مواد عازلة مثل الأغشية التي تمنع وصولها إلى الخرسانة.”

ثلاثة أنواع من الأخطاء تهدد سلامة المباني
حدد الاستشاري الإنشائي أبرز أسباب الخلل في ثلاثة محاور رئيسية هي: أخطاء التربة نتيجة غياب الدراسات الجيولوجية الدقيقة، وأخطاء التنفيذ مثل استخدام مواد بناء غير مطابقة أو ضعف الخلطات الخرسانية، وأأخطاء التصميم، وهي الأقل تأثيرًا بشرط الاستعانة بمهندس متخصص
مؤكدًا أن التصميم نادرًا ما يكون المشكلة لو في استشاري جيد، لأن تكلفته أصلًا قليلة مقارنة بالمشروع كله.
الأدوار المخالفة.. حمل إضافي قد لا يحتمله المبنى
وتطرق مرسي إلى خطورة الأدوار المخالفة، موضحًا أن بعض الملاك يخططون لها مسبقًا، بينما يقوم آخرون بإضافتها لاحقًا دون تجهيز إنشائي مناسب، قائلًا: “في ناس بتبني وهي عاملة حسابها تزود أدوار، ودي بتبقى محسوبة، لكن المشكلة في اللي بيزود من غير ما الأساسات والأعمدة تكون مستحملة.”
تعديلات عشوائية داخل الشقق تهدد السلامة الإنشائية
كما حذر من تدخل بعض الملاك في الهيكل الإنشائي دون الرجوع لمتخصصين، قائلًا:
“فيه ناس ممكن تشيل عمود أو تعدل في كمرات من غير ما ترجع لمهندس، وده خطر جدًا.”
وأكد أن أي تصدعات يجب التعامل معها بشكل علمي وليس تجميليًا فقط.

كيف نميز بين الشرخ الخطر والشرخ العادي؟
وأوضح أن المهندس الإنشائي يستطيع تحديد نوع الشرخ من شكله، سواء كان ناتجًا عن صدأ الحديد أو ضعف في الأساسات، مشيرًا إلى طريقة بسيطة يمكن للمواطنين استخدامها مبدئيًا: “ممكن نحط خط جبس على الشرخ ونراقبه… لو الشرخ كبر أو الجبس اتكسر، يبقى في مشكلة لازم تتعرض على استشاري.”
نصيحة قبل شراء شقة.. افحص جيدًا
واختتم مرسي حديثه بتوجيه نصيحة مهمة للمواطنين قبل شراء أي وحدة سكنية: “اسأل السكان الموجودين عن تاريخ العمارة، وشاهد بنفسك هل هناك شروخ أو رطوبة أو صدأ في الحديد.”
كما شدد على أهمية مراجعة تراخيص المبنى من الحي، والتأكد من وجود إشراف هندسي حقيقي خلال التنفيذ.
تساؤلات مشروعة حول منظومة الرقابة على البناء
إن تكرار هذه الوقائع خلال فترة قصيرة يطرح تساؤلًا مباشرًا أمام المسؤولين: هل تتحرك الأجهزة الرقابية فقط بعد ظهور الخطر، أم أن هناك آليات استباقية حقيقية لرصده قبل أن يتحول إلى تهديد للحياة؟
إن ما شهدته دمنهور خلال الأيام الماضية لا يبدو كحوادث فردية معزولة، بقدر ما يعكس مؤشرات خلل تحتاج إلى مراجعة شاملة، سواء في منظومة التراخيص، أو متابعة التنفيذ على أرض الواقع، أو حتى آليات التفتيش الدوري على المباني الحديثة.
سؤال مفتوح: من يضمن سلامة ما يُبنى؟
السؤال لم يعد فقط عن عقار بعينه، بل عن بيئة عمرانية كاملة: من يراقب جودة ما يُبنى؟
ومن يضمن التزام المقاولين بالمعايير؟
ومن يتحمل مسؤولية ما قد يحدث إذا تكررت هذه الوقائع بشكل أكبر؟
في ظل هذا المشهد، يبقى التدخل السريع مهمًا، لكن الأهم هو منع الخطر قبل وقوعه، حتى لا يتحول السكن، الذي يفترض أن يكون مصدر أمان، إلى مصدر قلق دائم للمواطنين.
ثقة تتآكل قبل الجدران
ما حدث في دمنهور لم يعد مجرد واقعة إنشائية عابرة، بل إشارة واضحة إلى خلل قد يكون أعمق مما يظهر على السطح.
عمارة تميل… جدار يسقط… وسكان يخرجون فجأة من بيوتهم دون يقين إن كانوا سيعودون أم لا.
في مدينة تتسع يومًا بعد يوم، لم يعد السؤال: كم عدد الأبراج التي تُبنى؟
بل: كم منها آمن بالفعل؟
فالأمر لم يعد يتعلق بجدران تتصدع، بل بثقة تتآكل، وبإحساس بالأمان يتراجع مع كل حادثة جديدة.
وحتى تظهر إجابات حاسمة…
سيظل المواطن عالقًا بين واقع يفرضه الخطر، وأمل بسيط في منزل لا ينهار.
