صكوك الضرائب وتبرعات المدارس: هل نرهن مستقبل التعليم لحل أزمات الحاضر؟ (2-4)
ملف استقصائي — أربع حلقات في قراءة اقتصادية واجتماعية (أغسطس 2026)
الحلقة الثانية: حين يكون التبرع للدولة بلا سقف.. وللمدرسة بعُشر الربح فقط
تحقيق استقصائي - إعداد د. محمد غالي :
على بعد خطوات من نقاش الصكوك، تدور في مصر منذ سنوات معركة أهدأ صوتًا لكنها لا تقل أهمية: معركة خصم التبرعات من الوعاء الضريبي. وهي معركة تمس بشكل مباشر مصير التمويل الأهلي للمدارس والمستشفيات ومراكز البحث العلمي، أي بالضبط تلك المؤسسات التي يفترض أن يكون التعليم والصحة على رأس أولوياتها.
جهتان.. ومعاملتان مختلفتان
ينظم قانون الضريبة على الدخل رقم 91 لسنة 2005، في المادة 23 منه، التكاليف واجبة الخصم من أرباح النشاط التجاري والصناعي، ومن بينها التبرعات. لكن القانون لا يعامل كل التبرعات بالتساوي، بل يقسّمها إلى مسارين مختلفين تمامًا:
التبرعات المدفوعة للحكومة ووحدات الإدارة المحلية وسائر الأشخاص الاعتبارية العامة: تُخصم بالكامل من الوعاء الضريبي، أيًا كانت قيمتها، ودون أي سقف.
التبرعات والإعانات المدفوعة للجمعيات والمؤسسات الأهلية المشهرة، ودور العلم، والمستشفيات الخاضعة للإشراف الحكومي، ومؤسسات البحث العلمي المصرية: تُخصم في حدود 10% فقط من صافي الربح السنوي للممول، ولا حرف أكثر.
الفارق هنا ليس تفصيلًا فنيًا صغيرًا، بل هو، من منظور محاسبي بحت، فارق يوجّه سلوك الشركات ورجال الأعمال. فحين يعرف صاحب رأس المال أن تبرعه لجهة حكومية يُخصم بالكامل، بينما تبرعه لمدرسة أهلية أو مستشفى خيري محدود بسقف العُشر، يصبح الخيار الأول أكثر إغراءً من الناحية الضريبية البحتة، حتى وإن كانت الجهة الثانية أكثر حاجة أو أقرب لقلبه.
القاعدة نفسها تتكرر مع أصحاب المهن الحرة
لا يقتصر هذا التمييز على الشركات وحدها. فالمادة 34 من القانون نفسه تُخضع أصحاب المهن غير التجارية، من محامين وأطباء ومهندسين ومحاسبين، لنفس المنطق: تبرعاتهم للحكومة ووحدات الإدارة المحلية تُخصم في حدود صافي إيرادهم السنوي، بينما تبرعاتهم للجمعيات الأهلية ودور العلم والمستشفيات ومؤسسات البحث العلمي تبقى محكومة بسقف 10% من صافي الإيراد السنوي، بلا استثناء.
صوت من داخل المهنة: مطالبات متكررة لم تجد طريقها للتنفيذ بعد
لم يمر هذا التفاوت دون اعتراض. فقد طالب أشرف عبد الغني، مؤسس جمعية خبراء الضرائب المصرية وأمين سر اللجنة الاقتصادية في مجلس الشيوخ، أكثر من مرة بإعادة النظر في هذه القواعد. ورأى أن المؤسسات الأهلية والمستشفيات ومراكز البحث العلمي تلعب دورًا مكملًا لدور الدولة في خدمة المجتمع، وطالب بالمساواة بين المسارين وإلغاء التفاوت القائم بينهما، خصوصًا في ظل ارتفاع الأسعار ومعدلات التضخم التي تزيد من الحاجة إلى تحفيز التبرعات بدلًا من تقييدها.
"التبرعات العينية لا تُخصم من الوعاء الضريبي وتخضع لضريبة القيمة المضافة، رغم أن كثيرًا من الشركات تفضلها على النقدية لأنها أكثر استدامة وأثرًا في التنمية الحقيقية للمجتمع."
هذه الملاحظة الأخيرة، الخاصة بالتبرعات العينية، تضيف طبقة أخرى من التعقيد: فحين تتبرع شركة بأجهزة حاسوب لمدرسة حكومية بدلًا من مبلغ نقدي، فإنها لا تحصل فقط على خصم محدود بسقف 10%، بل قد تجد نفسها مطالَبة بضريبة قيمة مضافة على تبرعها العيني، في مفارقة تجعل "تكلفة الخير" أعلى من العائد الضريبي المتوقع منه.
حتى الآن، ورغم تكرار هذه المطالبات على مدى سنوات، من جلسة إلى بيان إلى تصريح صحفي، لا تزال القواعد كما هي: سخاء كامل تجاه خزينة الدولة، وسقف محسوب بعناية تجاه المدرسة والمستشفى والجمعية الأهلية.
اقرأ أيضاً:
- بعد قليل.. التعليم العالي تعلن تنسيق الجامعات الخاصة والأهلية 2026
- 6 جامعات مصرية ضمن أفضل 1000 جامعة عالميًا في تصنيف شنغهاي 2026
- الفرصة الأخيرة لطلاب المرحلة الثانية.. التعليم العالي تحدد موعد غلق باب التنسيق
- لطلاب الشهادات المعادلة.. التعليم العالي تتيح حساب المجموع الاعتباري إلكترونيًا
- فرصة أخيرة.. مد التقديم لمدارس المياه الإيطالية حتى 15 أغسطس
ما رأيك في هذا الخبر؟