يُقال إن أصدقاء المصلحة يشبهون كرات البلياردو؛ ضربة واحدة كفيلة بأن تُبعثرهم في كل اتجاه، لا يجمعهم جامع ولا يربطهم رابط.
أمّا الأصدقاء الحقيقيون، فيشبهون كرات البولينج؛ قد يتفرقون، وقد تُباعد بينهم المسافات والظروف، لكنهم في النهاية يعودون إلى المصير ذاته، حيث تسكن المعاني العميقة، وتستقر القيم الأصيلة.
ما هو الحب الحقيقي؟
الحب الحقيقي ليس خطابًا منمقًا ولا شعارات تُرفع عند الحاجة، بل هو فعل أخلاقي قبل أن يكون انفعالًا وجدانيًا. هو أن تمدّ يدك بطوق نجاة لمن يغرق، لا لأنك تنتظر جزاءً أو شكرًا، بل لأن إنسانيتك تأبى أن تراك ناجيًا وغيرك يهلك. هو أن تبني جسر أمان في لحظات الخوف، وأن تمنح من ثوبك في لحظات العُري لتستر لا لتتفاخر، وأن تعطي دون أن تُمسك الدفتر لتحصي ما أعطيت.
فالحب، في جوهره، عطاء صامت، لا صفقة مشروطة ولا استثمار مؤجّل الربح.
والمؤلم حقًا أن يضيع البحث عن هذا الحب في قلوبٍ جبانة، أدمنت الخيانة حتى صارت عادة، ولبست الأنانية حتى غدت هوية، وتزيّنت بمنطقٍ نفعيٍّ يختصر الأخلاق كلها في شعارٍ خطير: «الغاية تبرر الوسيلة».
والمفارقة الساخرة المبكية أن كثيرًا من هؤلاء يرفعون رايات الفضيلة، ويتحدثون عن الإخلاص والوفاء والتضحيات، بينما يتنفسون الكذب، ولا يعرفون من الحب سوى حب الذات، أقوالهم عسل، وأفعالهم سمّ، وما بين القول والفعل هاوية تسقط فيها الثقة أولًا، ثم يسقط الإنسان.
وحين نتحدث عن الصداقة الحقيقية، فإننا لا نصف علاقة عابرة ولا مصلحة متبادلة، بل نستدعي منظومة كاملة من القيم: الحب، والوفاء، والثقة، والولاء.
الصداقة قيمة إنسانية
الصداقة قيمة إنسانية كبرى، تُنقذ الحياة من برودها، وتمنحها معناها العميق،قد لا تكون براقة كالحب الرومانسي، لكنها أكثر رسوخًا منه؛ لأنها لا تُبنى على الانبهار، بل على الاختبار، ولا تلمع سريعًا، لكنها لا تصدأ مع الزمن.
غير أن الواقع المعاصر يُظهر مشهدًا مختلفًا؛ إذ مع مرور الوقت، وتسيد المصالح على وزير الخارجية ونظيره السعودي يبحثان العلاقات الثنائية والمستجدات الإقليميةالعلاقات، غلب ما يمكن تسميته بـ«النفاق الاجتماعي»، ذلك السلوك الذي يُفرغ العلاقات من صدقها، ويحوّلها إلى مسرحٍ للأقنعة.
في هذا السياق، يصبح الوصول إلى الهدف مبررًا لكل وسيلة، مهما كانت خسيسة أو قاسية، ويغدو الإنسان أداة في يد إنسان آخر، تُستَخدم ثم تُلقى جانبًا متى انتهت الحاجة.
هل انتهت الصداقة الحقيقية؟
وهنا يفرض السؤال نفسه بإلحاح: هل انتهت الصداقة الحقيقية فعلًا، وتحولت إلى صداقة مصالح؟ وهل أصبح مبدأ «صداقتي هي مصلحتي» هو السواد الأعظم في مجتمعاتنا؟ إن العلاقة والمصلحة قد تتجاوران أحيانًا، لكن الخطورة تكمن حين تتحول المصلحة إلى جوهر العلاقة لا إلى عرضٍ طارئٍ فيها.
فالمصلحة، حين تتسيّد، تصبح صخرةً تتفتت عليها القيم الإنسانية واحدة تلو الأخرى، ولا يبقى بعدها شيء يعلو فوقها، المصلحة بطبيعتها متعددة الأشكال، تختلف باختلاف طالبها وغاياته.
وكثيرًا ما يرتدي صاحب المصلحة قناع التودد واللطف، وهو في داخله يحمل عكس ما يُظهر. يبتسم لا حبًا، ويقترب لا ودًّا، بل لأن في القرب منفعة، وفي الابتعاد خسارة محتملة.
ولستُ ضد العلاقات القوية بين الناس، بل على العكس؛ فالإنسان لا يحيا إلا بالآخرين، لكن الاعتراض كل الاعتراض على العلاقة التي تُبنى حصريًا على المنفعة الشخصية، وتنهار فور زوالها، وما أكثر هذا النمط في واقعنا المعاصر، وفي مختلف شرائح المجتمع.
صداقات المصالح
لقد أصبحت العلاقات الاجتماعية القائمة على الحب والتسامح والاحترام شبه نادرة، بعد أن طغت المصلحة على الحياة وجمالياتها وقيمها، نشأت شبكة واسعة من «صداقات المصالح»، حيث يتبادل الناس المجاملات كما يتبادلون الخدمات، ويدّعي كل طرف صداقته للآخر، بينما لا يجمعهم في الحقيقة سوى حسابات الربح والخسارة.
وهكذا صار هذا النمط من العلاقات هو السائد، وصارت الإنسانية فيه مجرد تفصيل غير ضروري.
أمام هذا المشهد، يصبح لزامًا على الإنسان أن يتوقف قليلًا، وأن يراجع نفسه بصدق، وأن يُعيد تقييم علاقاته: من يُحبني لذاتي؟ ومن يقف معي حين لا أملك ما أقدمه؟ فإن لم تجد من يُسعدك، فحاول ألا تكون عبئًا على نفسك، بل تعلّم أن تُسعدها. وإن لم تجد من يُضيء لك قنديلًا في عتمتك، فلا تبحث عمّن أطفأ نورك يومًا. وإن لم تجد من يغرس في أيامك وردة، فلا تسعَ خلف من غرس في قلبك سهمًا ومضى.
وفي هذا السياق، يظل الهدي النبوي منارة أخلاقية تُعيد ترتيب الأولويات، حين يقول الرسول ﷺ: «احرص على ما ينفعك، واستعن بالله ولا تعجز».
فالنفع الحقيقي ليس ما يُشبع المصلحة الآنية، بل ما يحفظ الكرامة، ويصون القيم، ويُبقي الإنسان إنسانًا، لا وسيلة ولا سلعة في سوق العلاقات.