تحقيق صحفي استقصائي | قضية أموال المعاشات.. التفاصيل الكاملة لأزمة أثارت الجدل من عهد مبارك حتى الآن
ثلاث حلقات
الحلقة الأولى: كيف ضاعت أموال المعاشات في عهد مبارك؟
الحلقة الثانية: معركة الروايات.. غالي والتلاوي وشهود آخرون
الحلقة الثالثة: من التسوية القانونية إلى المطالبة بالعدالة
تحقيق استقصائي إعداد د. محمد غالي:
مقدمة
عادت قضية أموال التأمينات والمعاشات إلى صدارة النقاش العام في مصر خلال يوليو 2026، بعدما فتح الوزير الأسبق د. يوسف بطرس غالي، في حوار تليفزيوني مطول، ملفاً ظل مسكوتاً عنه لأكثر من عقدين: مصير مئات المليارات من الجنيهات التي اقتطعت من أجور ملايين المصريين لتضمن لهم شيخوخة كريمة، ثم تبخر جزء كبير منها بين البورصة وسد عجز الموازنة ومشاريع لم تكتمل.
الحوار الذي أعقبه رد حاد من السفيرة د. ميرفت التلاوي، وزيرة التأمينات والشئون الاجتماعية الأسبق، أعاد فتح ملف اتهم فيه عدد من كبار مسئولي الدولة في تسعينيات القرن الماضي، وأثار من جديد سؤالاً لم يجد إجابة حاسمة حتى الآن: من المسئول عن ضياع أموال يفترض أنها حق خالص لأصحابها؟
هذا التحقيق يعيد بناء القصة كاملة، بالاستناد إلى تصريحات الطرفين الرئيسيين وشهادات مسئولين ونواب وكتاب رأي، وصولاً إلى الوضع الراهن للملف في ظل التسوية القانونية التي تبنتها الدولة أخيراً.
الحلقة الأولى: كيف ضاعت أموال المعاشات في عهد مبارك؟
أموال بلا صاحب
في منتصف تسعينيات القرن الماضي، كانت أموال التأمينات والمعاشات في مصر تدار من خلال صندوقين رئيسيين، أحدهما لموظفي الحكومة والآخر للعاملين بالقطاع الخاص، تحت مظلة وزارة التأمينات والشئون الاجتماعية. ووفقاً لشهادات متكررة من مسئولين تولوا هذا الملف، فإن النظرة السائدة وقتها كانت تتعامل مع هذه الأموال باعتبارها "فلوساً بلا صاحب"، لأن أصحابها من كبار السن لا يملكون قوة ضغط سياسية أو نقابية تحمي حقوقهم، ما أتاح لجهات حكومية متعددة التصرف فيها دون رقابة صارمة.

أزمة جنوب شرق آسيا وفكرة ضخ الأموال في البورصة
بحسب الرواية الأكثر تداولاً، فإن الأزمة تفجرت بعد الانهيار المالي الذي ضرب أسواق جنوب شرق آسيا في 1997، حين خشيت الحكومة المصرية برئاسة د. كمال الجنزوري من انتقال عدوى الانهيار إلى البورصة المصرية الناشئة. في هذا السياق، طرحت فكرة الاستعانة بجزء من فوائض أموال التأمينات لدعم سوق المال بشكل مؤقت، وهي الفكرة التي ينسب طرحها إلى د. يوسف بطرس غالي- الذي كان وزيراً للاقتصاد قبل أن يتولى وزارة المالية لاحقاً.
ووفق ما ذكرته د. ميرفت التلاوي، التي تولت وزارة التأمينات في تلك الفترة، فقد جرى تحويل نحو 500 مليون جنيه لصالح شركة واحدة في البورصة من بين 13 شركة كانت مؤهلة لهذا الدور، على أن يتكرر ذلك بمبلغ مماثل لاحقاً اشترطت هي توزيعه بنفسها على عدة شركات مقيدة بدلاً من تركه لجهة واحدة. وتقول إن هذه الأموال، التي تقدرها في بعض تصريحاتها بنحو 400 مليار جنيه شاملة عدة عمليات، لم تسترد حتى الآن، وإنها لا تعرف على وجه اليقين إن كانت خسرت في تقلبات البورصة أم استخدمت لتمويل عجز الموازنة العامة.

عرض بنكي أمريكي.. ورفض معلن
من أبرز التفاصيل التي كشفتها التلاوي في أكثر من مناسبة، أن الوزير غالي أحضر معه ممثلاً عن بنك أمريكي لعقد اجتماع بحث خلاله إمكانية استثمار جزء من أموال التأمينات في الخارج، وأن سؤالها المباشر لمدير البنك عن جدوى هذا الاستثمار قوبل بإجابة مفادها أن العائد المتوقع لن يتجاوز 8%، وهي نسبة مطابقة تقريباً لما كانت تحققه هذه الأموال من عوائد داخل البنوك المحلية. وتؤكد أنها أنهت الاجتماع رافضة إخراج الأموال إلى الخارج، وأنها رفضت أيضاً اقتراحاً بخصم مبلغ يتراوح بين خمسة وستة جنيهات شهرياً من كل معاش لفتح حسابات استثمارية في إطار هذا المخطط.
توشكى ومدينة الإنتاج الإعلامي
لم تتوقف قصة تحويل أموال المعاشات عند حدود البورصة والبنوك، إذ تشير روايات متعددة إلى أن جانباً من هذه الأموال ضخ في مشروعات قومية كبرى دون عائد يذكر ودون استرداد، أبرزها مشروع توشكى الزراعي الذي تبناه الجنزوري، إضافة إلى مبالغ طلبها وزير الإعلام الأسبق صفوت الشريف لإنشاء مدينة الإنتاج الإعلامي ولم ترد إلى صناديق التأمينات حتى اليوم.
فرصة ضائعة: خصخصة بلا مشاركة لأصحاب المعاشات
من أكثر ما تتحسر عليه التلاوي في شهاداتها، اقتراح تقدمت به ليكون صناديق التأمينات شريكاً في عمليات الخصخصة التي شهدتها مصر خلال تلك الحقتبة، عبر تخصيص نسبة من أسهم الشركات المطروحة للبيع لصالح أصحاب المعاشات مباشرة، بدلاً من بيعها بالكامل لمستثمر واحد. وتذكر على وجه التحديد شركات كانت الدولة تملك فيها حصة تقارب 25% قبل بيعها، من بينها شركة الاتصالات المحمولة (موبينيل)، وحديد الدخيلة، ومصر للألومنيوم بنجع حمادي، مؤكدة أن عرضها كان يفوق سعرياً ما تقدم به المستثمرون الأجانب في حينه، إلا أن العرض قوبل بالرفض وبيعت الشركات لمستثمرين أفراد.
(هامش جانبي: لو وافقوا على هذا الطرح لارتفع المعاش إلى ما بين عشرة وخمسة عشر ألف جنيه، بما يكفي احتياجات كبار السن ويغنيهم عن الاعتماد على الموازنة العامة. بحسب تصريحات د. ميرفت التلاوي)

استقالة على خلفية الخلاف
تروى التلاوي أنها اضطرت إلى مغادرة الوزارة في عهد رئيس الوزراء الأسبق د. عاطف عبيد بسبب موقفها الرافض للتفريط في أموال التأمينات وعدم انصياعها الكامل لسياسات الخصخصة كما كانت مطروحة وقتذاك، وأن خلافها مع عبيد تصاعد بعد اعتراضها المتكرر على شروط بيع بعض الشركات دون ضمان حقوق صناديق التأمين فيها.
بذلك، ووفق ما تكشفه الروايات المتقاطعة لهذه الحقبة، فإن قصة أموال المعاشات لم تكن حادثة واحدة، بل سلسلة قرارات متتعاقبة، امتدت عبر أكثر من حكومة ووزير، تحولت خلالها أموال خاصة يفترض أن تكون محصنة إلى ما يشبه احتياطياً حكومياً يُستخدم عند الحاجة.
اقرأ أيضاً:
- أول بيان رسمي لمحافظة الإسماعيلية عن تبرعات دنيا فؤاد محاربة السرطان
- ضبط متهم بانتحال صفة موظف بنكي والاستيلاء على أموال المواطنين بالمنيا
- علي جمعة يحذر من «عصابات الزكاة» ويؤكد على التدقيق
- محافظ أسوان يوجه بحلول عاجلة لأزمة تجديد تراخيص المركبات
- أخطاء شائعة عند استخدام فيزا المعاش قد تؤثر على صرف مستحقاتك
ما رأيك في هذا الخبر؟