المنسي
من أغرب مفارقات الحياة أن أكثر الناس اهتمامًا بالآخرين قد يكونون أقلهم حظًا من الاهتمام. وليس غريبًا أن يكون هذا الإنسان هو المنسي في أكثر اللحظات التي يحتاج فيها إلى من يسأل عنه، ليس لأنهم غير محبوبين، ولا لأن وجودهم بلا قيمة، وإنما لأنهم اعتادوا أن يكونوا دائمًا في موقع العطاء، حتى أصبحت حاجاتهم غير مرئية. لقد ارتدى الناس صورتهم المألوفة عنهم؛ ذلك الشخص الذي يطمئن على الجميع، ويبتسم في وجه الجميع، ويحتوي الجميع، فنسوا أن خلف هذه الصورة إنسانًا من لحم ودم، يتعب كما يتعبون، وينكسر كما ينكسرون، ويشتاق كما يشتاقون.
ولعل أقسى أنواع الإهمال ليس ذلك الذي يصنعه الحقد أو الجفاء، بل الذي يولده الاعتياد. فالإنسان لا يشعر بخسارة ما اعتاد وجوده إلا حين يفقده. وكما لا ينتبه المرء إلى نبض قلبه إلا إذا اختل، كذلك لا ينتبه كثيرون إلى أولئك الذين يملؤون حياتهم دفئًا، لأنهم يظنون أن هذا الدفء باقٍ إلى الأبد.
وهنا تكمن المأساة. فالإهمال غير المتعمد لا يحمل نية سيئة، لكنه يترك جرحًا لا يقل ألمًا عن جرح التعمد. لأن الإنسان يستطيع أن يواجه العداوة، لكنه يعجز أحيانًا عن فهم كيف أصبح غير مرئي في أعين أحب الناس إليه.
هناك أشخاص يحملون موهبة نادرة؛ يشعرون بآلام الآخرين قبل أن تُقال، ويقرأون الحزن من انكسار النظرات، ويعرفون أن وراء كلمة "أنا بخير" قصة طويلة من الصمت. هؤلاء لا يتعاملون مع الناس بوصفهم أسماء في الهواتف أو وجوهًا في المناسبات، بل بوصفهم مسؤولية إنسانية وأمانة وجدانية. يرسلون الرسائل، ويتذكرون المواعيد، ويهنئون في الأفراح، ويواسون في الأحزان، ويبحثون عن الكلمات التي تخفف الأوجاع. لكن أحدًا لا يسأل نفسه: من يواسي هؤلاء حين تنطفئ أرواحهم؟
المشكلة أنهم لا يجيدون المطالبة بحقوقهم العاطفية. يخجلون من طلب الاهتمام، لأنهم يرونه شعورًا ينبغي أن يأتي تلقائيًا، لا أن يُستجدى. لذلك يفضلون الصمت، ويقنعون أنفسهم بأن الناس مشغولون، وأن الأعذار كثيرة، وأن الأيام ستتغير. غير أن الأعذار، حين تتكرر، تتحول إلى عادة، والعادة تتحول إلى غياب دائم.
إن الإنسان الذي يقضي عمره يرمم الآخرين، كثيرًا ما يهمل ترميم نفسه. يوزع طاقته على الجميع، حتى إذا عاد إلى قلبه وجده خاليًا إلا من التعب. يعتاد أن يكون كتفًا يستند إليه الناس، لكنه لا يجد كتفًا إذا أثقلته الحياة. ومع مرور السنوات، لا يصبح مرهقًا من كثرة ما أعطى، بل من قلة ما تلقى.
والغريب أن المجتمع يكافئ الصاخبين أكثر مما يلتفت إلى الصامتين. فمن يعلن ألمه يجد من يسمعه، أما الذي يخفي وجعه حفاظًا على كرامته، فقد يُساء فهمه، ويُظن أنه لا يحتاج شيئًا. وكأن الصبر أصبح عقوبة، والهدوء سببًا في الحرمان من الاهتمام.
وليس هذا الإهمال ظلمًا للإنسان وحده، بل خسارة للآخرين أيضًا. فالقلوب المعطاءة لا تنطفئ فجأة، وإنما تذبل ببطء. تبدأ بالتعب، ثم بالخذلان، ثم بالانسحاب الهادئ. لا تعاتب كثيرًا، لأنها تعلم أن العتاب إذا تكرر فقد قيمته. ولا تشتكي كثيرًا، لأنها لا تريد أن تكون عبئًا على أحد. لكنها في لحظة ما، تقرر أن تصمت نهائيًا، لا لأن الحب انتهى، بل لأن القدرة على الاحتمال انتهت.
ومن المؤلم أن كثيرًا ممن أهملوا هذا الإنسان لا يكتشفون قيمته إلا بعد غيابه. عندها يتذكرون أنه كان أول المهنئين، وأسرع الحاضرين، وأكثر الناس وفاءً. يتساءلون: لماذا تغير؟ ولماذا ابتعد؟ ولا يخطر ببالهم أن الابتعاد لم يكن قرار يوم، بل نتيجة سنوات من التجاهل المتراكم، حيث كانت كل خيبة صغيرة تضيف حجرًا جديدًا إلى جدار الصمت.
الحقيقة أن الإنسان لا يموت من قلة الحب فقط، بل قد يذبل من قلة الشعور بأنه مرئي. أن يشعر بأن وجوده يحدث فرقًا، وأن غيابه يُلاحظ، وأن صمته يُفهم، وأن تعبه لا يضيع بين زحام الأيام. فالحاجة إلى التقدير ليست ترفًا نفسيًا، بل إحدى ضرورات الروح. وكلمة صادقة قد تعيد إلى القلب حياة، كما أن تجاهلًا بسيطًا قد يترك فيه أثرًا طويلًا.
لذلك، لعل أجمل ما يمكن أن نتعلمه هو أن نلتفت إلى أولئك الذين لا يطلبون شيئًا. أن نسأل من اعتاد أن يسأل، وأن نزور من اعتاد أن يزور، وأن نستمع إلى من قضى عمره مستمعًا. فبعض البشر لا يحتاجون هدايا ثمينة، وإنما يحتاجون إلى يقين بسيط بأن أحدًا يتذكرهم كما يتذكرون الجميع.
إن الذين يحملون هموم الناس على أكتافهم ليسوا ملائكة، بل بشر. يبتسمون لأنهم يؤمنون بالأمل، لا لأنهم لا يعرفون الألم. ويمنحون الحب لأنهم يعرفون قسوة الحرمان منه، لا لأنهم مكتفون. ولذلك فإن أجمل وفاء يمكن أن نقدمه لهم هو ألا نجعلهم غرباء في القلوب التي جعلوها يومًا أوطانًا لهم.
ويبقى السؤال الذي ينبغي أن يطرحه كل واحد منا على نفسه: كم شخصًا في حياتي يطمئن عليّ دائمًا، بينما لم أسأله منذ زمن: "وكيف حال قلبك أنت؟" فقد يكون هذا السؤال البسيط هو الفارق بين قلب يستمر في العطاء، وقلب قرر أن ينسحب بصمت، بعدما أدرك أن الجميع اعتاد نوره، ولم يفكر أحد في أن النور أيضًا يحتاج من يحميه من الانطفاء.
ففي هذا العالم، ليس المنسي دائمًا هو الأقل قيمة، بل قد يكون أكثر الناس حضورًا في حياة الآخرين، وأقلهم حضورًا في ذاكرة الاهتمام. وتلك مفارقة مؤلمة، لكنها تذكرنا بأن الرحمة الحقيقية تبدأ من الانتباه... فالقلوب العظيمة لا تنكسر دفعة واحدة، وإنما تتآكل بصمت، كلما انشغل الجميع بها عن أن ينشغلوا لأجلها.