"الغرق" يحصد 300 ألف روح سنويًا.. كيف نحمي أولادنا من لحظة غفلة؟
كتبت:آية غنيم
في لحظة واحدة، قد يتحول يوم صيفي عادي إلى مأساة لا تنساها أسرة طوال عمرها.. طفل يختفي من أمام عيني والديه لثوانٍ، شاب ينزل المياه متحديًا الأمواج، أو شخص يحاول إنقاذ آخر فيجد نفسه ضحية جديدة للحادث. وبينما تتكرر حوادث الغرق كل صيف في الشواطئ وحمامات السباحة والمسطحات المائية، تؤكد منظمة الصحة العالمية أن الغرق ليس مجرد حوادث عشوائية، بل مشكلة عالمية يمكن الوقاية من معظمها إذا توفرت إجراءات الحماية والوعي والتدخل السريع.

ومع حلول موسم الصيف وارتفاع الإقبال على الشواطئ والمصايف، تعود التحذيرات من مخاطر المياه، لكن الحقيقة أن الخطر لا يبدأ وينتهي عند البحر، فقد تحدث حالات الغرق في الأنهار والبحيرات والآبار وأحواض السباحة، وحتى في أوعية تخزين المياه داخل المنازل.

300 ألف شخص يموتون غرقًا كل عام
بحسب أحدث بيانات منظمة الصحة العالمية، يموت نحو 300 ألف شخص غرقًا كل عام حول العالم، أي ما يقارب 30 شخصًا كل ساعة، ويشكل الأطفال دون الخامسة قرابة ربع إجمالي وفيات الغرق. كما أن الغرق يحتل المرتبة الرابعة بين أسباب وفاة الأطفال من عمر سنة إلى 4 سنوات، والثالثة بين الأطفال من 5 إلى 14 عامًا. وتشير المنظمة إلى أن 92% من وفيات الغرق تحدث في البلدان منخفضة ومتوسطة الدخل.
وتوضح هذه الأرقام أن الغرق ليس مشكلة مرتبطة بالمصايف فقط، وإنما خطر عالمي يمس الأطفال والشباب بصورة خاصة، وهو ما يجعل الوقاية والتوعية مسؤولية تبدأ من الأسرة وتمتد إلى المدارس والمجتمعات والجهات المسؤولة عن تأمين الأماكن المائية.
لماذا يحدث الغرق في ثوانٍ؟
الغرق قد يحدث بسرعة شديدة، وفي كثير من الحالات لا يكون المشهد كما نراه في الأفلام؛ فالشخص الذي يتعرض للغرق قد لا يستطيع الصراخ أو طلب المساعدة، وقد يمر الحادث في صمت بينما يعتقد المحيطون به أنه يسبح بشكل طبيعي.
وبالنسبة للأطفال تحديدًا، فإن الخطر أكبر لأن الطفل قد لا يعرف كيف يتعامل مع المياه أو يقدر حجم الخطر، وقد يسقط في المياه خلال لحظات إذا غاب عنه الشخص المسؤول عن مراقبته.
ولهذا تؤكد منظمة الصحة العالمية أن عدم وجود إشراف مناسب على الأطفال بالقرب من المياه، وعدم امتلاك مهارات السباحة والسلامة المائية، من العوامل التي تزيد خطر الغرق.
"ثواني الغفلة".. كيف تتحول نزهة عائلية إلى مأساة؟
تخيل أسرة تجلس على الشاطئ، والأب والأم يتابعان أبناءهما، لكن أحدهما ينشغل للحظات بالهاتف أو الحديث مع شخص آخر. في هذه الثواني، قد يبتعد الطفل عن مكان الأسرة أو يدخل منطقة أعمق من قدرته على السباحة.
المشكلة هنا أن الطفل قد لا يملك الوقت أو القدرة على طلب النجدة، وقد لا يلاحظ الأهل اختفائه إلا بعد مرور دقائق، وهي مدة قد تكون حاسمة في إنقاذ حياته.
ولهذا فإن مراقبة الطفل بالقرب من المياه يجب ألا تكون مسؤولية مشتركة بشكل غامض بين مجموعة من الأشخاص، بل يجب أن يكون هناك شخص بالغ محدد يعرف أنه المسؤول عن متابعة الطفل بشكل مستمر.

البحر ليس وحده.. أين تحدث حوادث الغرق؟
عندما نسمع كلمة “غرق”، غالبًا ما نفكر في البحر والشواطئ، لكن منظمة الصحة العالمية تشير إلى أن حالات الغرق تحدث في أماكن متعددة، من بينها الأنهار والبحيرات والآبار وأحواض السباحة وأوعية تخزين المياه المنزلية.
وفي مصر، يزداد خطر التعرض للمياه في الصيف مع الإقبال على الشواطئ، لكن هناك أيضًا مسطحات مائية أخرى يجب الحذر منها، خصوصًا الترع والمصارف والمجاري المائية التي قد تبدو هادئة من الخارج، لكنها قد تكون شديدة الخطورة بسبب عمقها أو التيارات المائية أو صعوبة الخروج منها.
وهنا تأتي قاعدة مهمة: المياه الهادئة لا تعني بالضرورة أنها آمنة.
“الترعة والمصرف”.. مياه تبدو هادئة
من أخطر الأخطاء أن يعتقد الشخص أن السباحة في ترعة أو مصرف أكثر أمانًا من البحر لأن المياه تبدو هادئة.

لكن هذه الأماكن قد تحتوي على تيارات مائية غير واضحة، أو جوانب شديدة الانحدار تجعل الخروج منها صعبًا، كما أن بعض المسطحات المائية قد تكون ملوثة أو تحتوي على مخلفات أو عوائق لا يمكن رؤيتها بسهولة.
ولهذا فإن النزول إلى أي مسطح مائي غير مخصص للسباحة يمثل مخاطرة حقيقية، حتى لو كان الشخص يجيد السباحة.
لماذا ترتفع مخاطر الغرق في الصيف؟
الصيف يعني درجات حرارة أعلى، ومزيدًا من الوقت الذي يقضيه الناس بالقرب من المياه، وزيادة الإقبال على الشواطئ وحمامات السباحة والمصايف.

وتشير منظمة الصحة العالمية إلى وجود علاقة بين ارتفاع درجات الحرارة وزيادة مخاطر الغرق، موضحة أن موجات الحر والظواهر الجوية الشديدة مثل الفيضانات والعواصف يمكن أن تزيد من احتمالات التعرض للغرق. وفي مثال ذكرته المنظمة، أظهرت أبحاث في المملكة المتحدة أن وفيات الغرق ترتفع بنسبة 7.2% مع كل زيادة قدرها درجة مئوية واحدة في الحرارة، كما كان خطر الغرق أعلى بنحو خمس مرات في الأيام التي تتجاوز فيها الحرارة 25 درجة مئوية مقارنة بالأيام التي تقل فيها عن 10 درجات.
وهذا يعني أن ارتفاع درجات الحرارة لا يدفع الناس فقط للبحث عن المياه هربًا من الحر، لكنه قد يزيد أيضًا من فرص التعرض للمخاطر المرتبطة بها.
لحظة تهور قد تنتهي بكارثة
بعض حوادث الغرق لا تحدث بسبب عدم معرفة الشخص بالسباحة، وإنما بسبب التهور.
النزول إلى المياه في أماكن غير مخصصة للسباحة، أو تجاهل التحذيرات، أو محاولة السباحة في ظروف جوية صعبة، أو الابتعاد عن مناطق الإنقاذ، كلها تصرفات قد تزيد الخطر.

وفي بعض الحالات، يحاول شخص إنقاذ آخر دون أن يكون مؤهلًا لذلك، فيتحول الحادث إلى مأساة أكبر عندما يغرق الشخصان معًا.
ولهذا فإن القاعدة الأهم عند رؤية شخص يتعرض للغرق هي عدم القفز إلى المياه بشكل عشوائي إذا لم يكن الشخص مدربًا على الإنقاذ، بل طلب المساعدة فورًا والاستعانة بالمنقذين أو خدمات الطوارئ.
لا تنقذ شخصًا فتتحول إلى ضحية ثانية
من أكثر المشاهد تكرارًا في حوادث الغرق أن شخصًا يرى أحد أفراد أسرته أو أصدقاءه يكافح في المياه، فيندفع لإنقاذه دون أن يمتلك مهارات الإنقاذ.
لكن الشخص الذي يتعرض للغرق يكون في حالة خوف شديدة وقد يتشبث بأي شخص أمامه، ما قد يؤدي إلى سحب المنقذ معه إلى المياه.
لذلك تؤكد قواعد الإنقاذ الآمن أهمية طلب المساعدة والاستعانة بالمنقذين، وعدم المخاطرة بالقفز إلى المياه دون تدريب، مع محاولة استخدام وسائل إنقاذ آمنة من مكان بعيد إذا كان ذلك ممكنًا.

ماذا يحدث للجسم عندما يغرق الإنسان؟
الغرق هو عملية تحدث عندما يؤدي الغمر أو الانغماس في سائل إلى اضطراب التنفس، وقد تكون النتيجة الوفاة أو الإصابة أو النجاة دون مضاعفات، بحسب تعريف منظمة الصحة العالمية.
لكن حتى في حالة إنقاذ الشخص، قد يحتاج إلى رعاية طبية عاجلة، خصوصًا إذا تعرض لمشكلات في التنفس أو نقص الأكسجين.
وهنا تظهر أهمية سرعة الإنقاذ والتدخل الطبي، لأن الوقت قد يكون عاملًا حاسمًا في تقليل المضاعفات وإنقاذ الحياة.
تعليم السباحة وحده لا يكفي
قد يعتقد البعض أن الحل الوحيد للوقاية من الغرق هو تعليم الأطفال السباحة، لكن الخبراء يؤكدون أن الأمر يحتاج إلى مجموعة من الإجراءات معًا.
فالطفل الذي يجيد السباحة لا يزال معرضًا للخطر إذا سبح في مكان غير آمن، أو ابتعد عن رقابة الكبار، أو تعرض لتيار قوي.
ولهذا تضع منظمة الصحة العالمية تعليم الأطفال مهارات السباحة والسلامة في المياه ضمن مجموعة من الإجراءات التي يجب أن تعمل معًا، إلى جانب الإشراف على الأطفال، وتأمين الأماكن الخطرة، وتحسين أنظمة الإنقاذ والاستجابة للطوارئ.
7 حلول عالمية للحد من الغرق
في يوليو 2026، أطلقت منظمة الصحة العالمية حزمة جديدة تتضمن سبع استراتيجيات للوقاية من الغرق، وتشمل تحسين البنية التحتية لجعل التعامل مع المياه أكثر أمانًا، وتطوير أنظمة الإنقاذ والإنعاش، وتعزيز السلامة للعاملين بالقرب من المياه، وتحسين معايير سلامة النقل المائي، وتعليم الأطفال أساسيات السباحة والسلامة، وتوفير أنظمة رعاية وحماية للأطفال، والاستعداد بشكل أفضل للفيضانات والكوارث.
الفكرة الأساسية أن منع الغرق لا يعتمد على شخص واحد أو إجراء واحد، وإنما يحتاج إلى منظومة كاملة تبدأ من الأسرة وتصل إلى الجهات الحكومية والمجتمع.
ماذا يستطيع الأب والأم أن يفعلا؟
الوقاية تبدأ من المنزل، إذا كان هناك طفل صغير بالقرب من المياه، فيجب أن تكون مراقبته مستمرة، وليس مجرد وجود شخص بالغ في المكان.
كما يجب تعليم الطفل قواعد بسيطة مثل عدم الاقتراب من المياه دون إذن، وعدم النزول إلى البحر أو حمام السباحة بمفرده، وعدم الاقتراب من الترع والمصارف.

وتوصي منظمة الصحة العالمية أيضًا بتسييج حمامات السباحة، وتغطية مصادر المياه المنزلية، وتعليم الأطفال السباحة والسلامة المائية، وتعلم الإسعافات الأولية والإنعاش القلبي الرئوي والإنقاذ الآمن.
ماذا يجب أن يحدث على الشواطئ وحمامات السباحة؟
وجود المنقذين المدربين في الأماكن المخصصة للسباحة، ووضوح مناطق الخطر، وتوفير وسائل الإنقاذ، ووضع علامات تحذيرية واضحة، كلها إجراءات يمكن أن تقلل من مخاطر الغرق.

كما أن الالتزام بتعليمات المنقذين وعدم تجاوز المناطق المسموح بها للسباحة أمر أساسي، خصوصًا في الأيام التي تكون فيها الأمواج والتيارات المائية قوية.
وفي حمامات السباحة، يجب ألا يكون وجود المنقذ بديلًا عن مراقبة الأطفال من ذويهم، لأن لحظات قليلة من الغفلة قد تكون كافية لوقوع حادث.
هل يمكن أن نمنع الغرق قبل أن يحدث؟
الإجابة التي تؤكدها منظمة الصحة العالمية هي: نعم، يمكن الوقاية من معظم حالات الغرق.
وفي عام 2026، أطلقت المنظمة استراتيجية عالمية تستهدف خفض معدلات الغرق بنسبة 35% بحلول عام 2035، بعدما انخفض معدل الغرق عالميًا بنسبة 38% منذ عام 2000، لكن المنظمة تؤكد أن المهمة لم تنتهِ بعد.
وتقدم تجربة تايلاند مثالًا على إمكانية تحقيق نتائج ملموسة عندما تتضافر جهود المجتمع؛ فبحسب منظمة الصحة العالمية، انخفضت وفيات الغرق بين الأطفال هناك بنسبة 57% بحلول عام 2022 بعد تنفيذ مجموعة من الإجراءات، بينها تعليم السباحة، وتسييج الأماكن الخطرة، وتدريب الأسر والمجتمعات على الاستجابة والإنقاذ.
الغرق يحتاج إلى وعي
في النهاية، قد تبدأ مأساة الغرق بلحظة تبدو بسيطة جدًا: طفل اقترب من المياه، شاب تجاهل تحذيرًا، شخص قرر السباحة في مكان غير مخصص، أو أسرة انشغلت للحظات عن طفل صغير، لكن هذه اللحظات يمكن منعها. فالوعي، والرقابة، وتعليم السباحة، والالتزام بقواعد السلامة، وتوفير منقذين مدربين، وتجهيز الأماكن المائية بوسائل الإنقاذ، كلها حلقات في سلسلة واحدة هدفها ألا تتحول لحظة صيفية عادية إلى خبر حزين على أسرة بأكملها.
وربما تكون الرسالة الأهم التي يجب أن تصل إلى كل أب وأم مع بداية موسم المصايف هي أن الطفل لا يحتاج إلا لثوانٍ قليلة حتى يتعرض للخطر، لكن انتباهك في هذه الثواني قد يكون هو الفارق بين لحظة عابرة ومأساة لا تنتهي.
فالغرق قد يحدث في البحر، أو النهر، أو الترعة، أو حمام السباحة، وحتى في أماكن لا نتوقعها.. لكن المؤكد أن الوقاية منه تبدأ بخطوة بسيطة: لا تترك طفلًا وحده بالقرب من المياه، ولا تتعامل مع أي مسطح مائي باعتباره آمنًا لمجرد أنه يبدو هادئًا.
اقرأ أيضاً:
ما رأيك في هذا الخبر؟