" الخيط الخفي بين الصكوك الضريبية وقواعد خصم تبرعات القطاع الخاص للتعليم والصحة، ونناقش مفارقة تمويل الدولة من جهة، ودعم المؤسسات المجتمعية من جهة أخرى، بين تحسن مؤشرات المالية العامة ومخاوف «الاقتراض من الغد».
ملف استقصائي — أربع حلقات في قراءة اقتصادية واجتماعية (أغسطس 2026)
إلى هنا، يبدو الملفان منفصلين تمامًا: صكوك ضريبية تصدرها الدولة لجذب سيولة فورية من كبار الممولين، وقواعد قديمة نسبيًا تحكم خصم تبرعات القطاع الخاص للمدارس والمستشفيات. لكن حين نضع الملفين جنبًا إلى جنب، يظهر خيط رفيع يربط بينهما، عنوانه الأكبر: إلى أين تتجه أولوية الدولة في التعامل مع القطاع الخاص، حين يتعلق الأمر بالمال العام مقابل المال الاجتماعي؟
من الناحية المالية البحتة، تشترك صكوك الضريبة مع أي أداة دين أخرى في خاصية جوهرية واحدة: هي تحصيل مبكر لموارد كانت ستصل إلى الخزانة العامة أصلًا في وقت لاحق، عبر السداد الضريبي الطبيعي للممولين. الفارق أن الصك يمنح الممول عائدًا معفى من الضريبة مقابل هذا التبكير، وهو ما يعني عمليًا أن الحصيلة الضريبية المستقبلية، تلك التي كان يمكن أن تُوجَّه بالكامل لتمويل الإنفاق العام على التعليم والصحة والبنية التحتية، ستصل منقوصة بمقدار هذا العائد المعفى.
بمعنى آخر: الدولة لا تحصل على مال جديد من فراغ، بل تُعيد ترتيب توقيت وصول مالها الخاص إليها، مقابل ثمن هو العائد المعفى من الضريبة. وهذا بالضبط ما يجعل مقارنتها بمشهد الفلاح الذي يبيع محصول العام القادم مقاربة منطقية لا مجازية فقط: فما يبدو حلًا لعجز اليوم، هو في جوهره اقتطاع من مساحة المناورة المالية للسنوات القادمة، تلك المساحة التي يُفترض أن تتسع فيها موازنات التعليم والصحة، لا أن تضيق.
في الوقت الذي تفتح فيه الدولة ذراعيها لتستقطب فائض السيولة لدى كبار الممولين عبر أداة تمويلية جذابة الشروط، تبقى نفس هذه الفئة من الممولين مقيدة، حين يتعلق الأمر بدعم مدرسة أو مستشفى أو مركز بحث علمي، بسقف لا يتجاوز 10% من الأرباح. النتيجة أن الحوافز الضريبية القائمة اليوم تدفع رأس المال، بمنطق اقتصادي بحت لا علاقة له بالنوايا، نحو صك تصدره الدولة لنفسها، أكثر مما تدفعه نحو دعم مؤسسة تعليمية أو صحية تخدم المجتمع مباشرة.
من المهم هنا عرض الصورة كاملة دون تحيز مسبق. فالحكومة، من جانبها، تستند إلى مؤشرات فعلية تُظهر تحسنًا، من تراجع الدين الخارجي لأجهزة الموازنة، إلى توسع القاعدة الضريبية عبر الميكنة والتبسيط، إلى تحسن ملموس في تكلفة التأمين ضد مخاطر عدم السداد على السندات المصرية. ووفق هذا المنطق، فإن الصكوك الضريبية أداة محدودة الأثر ومحسوبة العائد، هدفها تخفيف فاتورة خدمة الدين، وهي فاتورة تلتهم بدورها جزءًا كبيرًا من الموازنة العامة كل عام، بما فيها من بنود تعليم وصحة. أي أن خفض هذه الفاتورة قد يكون، في حد ذاته، أحد أشكال حماية الإنفاق الاجتماعي، لا تهديدًا له.
في المقابل، يرى المتحفظون أن أي أداة تمنح عائدًا معفى من الضريبة مقابل تحصيل مبكر للأموال هي، بحكم تعريفها، شكل من أشكال المديونية المؤجلة، وأن تكرار اللجوء إليها دون ضوابط واضحة لسقفها الإجمالي قد يتحول تدريجيًا إلى نمط متكرر لسد عجز الموازنة، بدلًا من أن يبقى أداة استثنائية محدودة الحجم. ويضيف هؤلاء أن الإبقاء على سقف 10% لخصم تبرعات التعليم، في التوقيت نفسه الذي تُطلق فيه أداة تمويلية سخية العائد لصالح خزينة الدولة، يرسل إشارة غير متوازنة لمجتمع الأعمال حول أولويات الدولة الحقيقية.
الحقيقة، كما تكشفها المستندات المتاحة، تقع على الأرجح بين الرأيين: لا يوجد دليل مباشر يربط بين قرار الصكوك وقرار الإبقاء على سقف التبرعات كسياسة واحدة مقصودة، لكن غياب أي إشارة إلى مراجعة قواعد التبرعات في التوقيت نفسه الذي تُراجَع فيه أدوات تمويل أخرى، يبقي السؤال مطروحًا: هل التعليم والصحة الأهلية على قائمة أولويات المراجعة القادمة، أم أنهما ينتظران دورًا لم يُحدَّد له موعد بعد؟
ما رأيك في هذا الخبر؟