فيديو أطفال يشعل معركة في نيويورك.. لماذا هوجم ممداني بسبب الحجاب؟
كتبت-آية غنيم
من لقطة عابرة إلى معركة هوية
في زمن أصبحت فيه الصورة أسرع من الكلمات، لم تعد اللقطة العابرة مجرد تفصيلة على هامش المشهد، فقد تحمل أحيانًا من الدلالات ما يفوق النص المكتوب بجوارها، وتفتح أبوابًا لمعركة لم تكن في حساب صانعها.
وفي مدينة مثل نيويورك، حيث تتجاور عشرات الثقافات والأديان واللغات في شوارع واحدة، كان من المفترض أن يكون ظهور امرأة محجبة في فيديو موجه إلى الأسر مشهدًا عاديًا يعكس تنوع سكان المدينة.
لكن المشهد لم يبقَ عاديًا، فخلال ساعات، تحول فيديو ترويجي قصير لعمدة نيويورك زهران ممداني، كان هدفه تعريف الأسر بالأنشطة الصيفية المجانية للأطفال، إلى مادة لهجوم سياسي من ناشطين يمينيين، أعادوا من خلاله فتح النقاش حول هوية ممداني الإسلامية، وحول حدود تمثيل المسلمين في الصورة الرسمية لمدينة نيويورك.

البداية.. فيديو عن الأطفال
بدأت القصة في 23 أغسطس 2026، عندما نشر ممداني عبر حسابه الرسمي على منصة "إكس" فيديو يخاطب فيه الآباء، قائلًا إن أسبوعين فقط يتبقيان من العطلة الصيفية قبل عودة المدارس، داعيًا الأسر إلى زيارة موقع المدينة للاستفادة من الأنشطة المجانية المتاحة للأطفال من سن 5 إلى 17 عامًا.
والفكرة نفسها ليست جديدة في إدارة ممداني، فقد أطلقت المدينة منذ مايو منصة "Summer in N.Y.C." لمساعدة الأسر في العثور على أنشطة صيفية مجانية ومنخفضة التكلفة، تشمل الفنون والرياضة والأنشطة الترفيهية، مع إمكانية البحث بحسب عمر الطفل والمنطقة والاهتمامات.
لكن داخل الفيديو ظهرت امرأة ترتدي الحجاب، لتصبح هذه اللقطة تحديدًا محور القصة، بعدما بدأ ناشطون يمينيون في مهاجمة اختيارها والربط بين ظهورها وبين هوية ممداني الدينية.

لورا لومر تشعل الهجوم
كان من أبرز من صعّد الجدل الناشطة اليمينية الأمريكية لورا لومر، التي علقت على الفيديو عبر منصة "إكس"، متسائلة عن سبب ظهور امرأة مسلمة محجبة باعتبارها تمثل "ولي الأمر العادي" في نيويورك.
وذهبت لومر إلى أبعد من مجرد انتقاد اختيار الشخصية الظاهرة في الفيديو، إذ اتهمت ممداني بأنه "يفرض هيمنة الشريعة" على الأمريكيين، ووصفت الأمر بأنه مسيء، قبل أن تقول إن "الاستيلاء الإسلامي على أمريكا مستمر".
وبذلك، خرج الجدل سريعًا من سؤال بسيط حول اختيار شخصيات الإعلان إلى اتهامات سياسية ودينية واسعة، رغم أن الفيديو نفسه لا يتحدث عن الإسلام أو الحجاب، وإنما عن أنشطة مجانية للأطفال.

انتقادات أخرى.. لماذا امرأة محجبة؟
لم تتوقف الانتقادات عند لومر، إذ دخل الكاتب والمحلل السياسي داني برماوي على خط الجدل، منتقدًا ما اعتبره حضورًا متكررًا للإسلام في رسائل ممداني.
وكتب برماوي أن "الحجاب يجب أن يظهر في كل مقطع فيديو يشاركه ممداني"، كما انتقد، وفق ما نقلته "الجزيرة"، حضور الإسلام في خطابات العمدة، وزياراته للمساجد والمراكز الإسلامية، وظهور اللغة العربية في بعض اللوحات والمنشورات، إلى جانب تنظيم إفطار رمضاني في مقر إقامة عمدة نيويورك الرسمي "غرايسي مانشن".
كما ظهرت تعليقات أخرى على مواقع التواصل الاجتماعي تسأل عن سبب اختيار امرأة محجبة بدلًا من امرأة بيضاء، بينما ذهب آخرون إلى القول إن المرأة المسلمة لا تمثل سكان نيويورك.
وبعض هذه التعليقات تجاوز انتقاد ممداني إلى مهاجمة الحجاب والإسلام بشكل مباشر، ما جعل الواقعة تتحول من خلاف سياسي حول العمدة إلى نقاش أوسع حول الإسلاموفوبيا وتمثيل المسلمين في الحياة العامة.
ماذا يقول الفيديو فعلًا؟
هنا تظهر واحدة من أهم النقاط التي يجب التوقف عندها، مضمون الفيديو نفسه لا يتناول الحجاب ولا الإسلام.
الرسالة التي نشرها ممداني تتعلق بانتهاء العطلة الصيفية واقتراب عودة المدارس، وتدعو الآباء إلى الاستفادة من الأنشطة المجانية المتاحة للأطفال في أحيائهم.
أما تحويل ظهور المرأة المحجبة إلى دليل على وجود مشروع لـ"فرض الهيمنة الإسلامية"، فهو تفسير واتهام صادر عن منتقدي ممداني، وليس معلومة يثبتها الفيديو نفسه.

لماذا تحولت اللقطة إلى قضية سياسية؟
لفهم حجم الجدل، لا بد من العودة إلى شخصية ممداني نفسها، فالعمدة، الذي تولى منصبه في الأول من يناير 2026، أصبح أول عمدة مسلم لمدينة نيويورك، وكانت هويته الدينية حاضرة بقوة خلال حملته الانتخابية وبعد فوزه. وتؤكد الصفحة الرسمية لمكتب عمدة نيويورك أنه تولى منصبه في بداية العام بعد أن كان عضوًا في مجلس ولاية نيويورك.
وخلال حملته، تعرض ممداني لهجمات مرتبطة بهويته الإسلامية، بينما جعل هو نفسه من هذه الهوية جزءًا معلنًا من صورته السياسية.
وفي حديث تلفزيوني في مارس 2026، قال ممداني إن الهجمات التي تستهدفه بسبب دينه لا تؤذيه وحده، وإنما تجعل نحو مليون مسلم في نيويورك يشعرون وكأن كونهم مسلمين وكونهم من سكان نيويورك هويتان متعارضتان، مؤكدًا أنه يرى إمكانية الجمع بين الهويتين.
وبالتالي، فإن ظهور امرأة محجبة في فيديو رسمي لم يأتِ إلى ساحة سياسية خالية من التوتر، بل وقع وسط نقاش قائم بالفعل حول علاقة ممداني بهويته الإسلامية وكيفية ظهور هذه الهوية في الحياة العامة للمدينة.

المسلمون في نيويورك.. حضور يتجاوز الصورة
الجدل لا يمكن فصله كذلك عن التغير الديموغرافي والسياسي في نيويورك.
وتشير بيانات نقلتها “واشنطن بوست” إلى وجود أكثر من 307 آلاف ناخب مسلم مسجل في المدينة، مقارنة بنحو 245 ألفًا في انتخابات عمدة نيويورك عام 2021. كما أظهرت تحليلات انتخابية أن المسلمين شكلوا نحو 7% من الناخبين المسجلين، مع مشاركة انتخابية أعلى من نسبتهم بين السكان المسجلين.
وتقول الصحيفة إن المسلمين والمهاجرين شكلوا قاعدة مهمة في فوز ممداني، الذي أصبح أول عمدة مسلم للمدينة، في وقت أصبحت فيه الجاليات المسلمة أكثر حضورًا سياسيًا وديموغرافيًا في أحياء مثل برونكس وكوينز وبروكلين.
وبذلك، فإن ظهور امرأة محجبة في إعلان رسمي يمكن قراءته أيضًا باعتباره انعكاسًا لتنوع سكان المدينة، وليس بالضرورة رسالة دينية أو سياسية.
بين التمثيل الطبيعي و"الرسالة السياسية"
هنا ينقسم المشهد إلى قراءتين، القراءة الأولى، التي يتبناها منتقدو ممداني، ترى أن تكرار ظهور الرموز والشخصيات الإسلامية في محتواه يعكس توجهًا سياسيًا مقصودًا، ويعتبرون أن العمدة يستخدم موقعه لإبراز هويته الدينية.
أما القراءة الثانية، فتعتبر أن ظهور امرأة محجبة في نيويورك ليس أمرًا استثنائيًا أصلًا، وأن استبعادها من صورة المدينة لمجرد ارتدائها الحجاب سيكون بحد ذاته تجاهلًا لشريحة موجودة بالفعل بين سكانها.
واللافت أن الجدل الحالي لم ينشأ بسبب قرار رسمي يتعلق بالدين، وإنما بسبب ثوانٍ قليلة في فيديو خدمي، وهو ما يوضح مدى سرعة تحول التفاصيل البصرية إلى رموز سياسية في عصر وسائل التواصل الاجتماعي.
ممداني.. الهوية التي لم يخفها
منذ حملته الانتخابية، لم يتعامل ممداني مع هويته الإسلامية باعتبارها شيئًا ينبغي إخفاؤه.
وتشير تقارير سابقة إلى أنه أعلن صراحة تمسكه بهويته الإسلامية، بينما أكد في خطاب فوزه أنه مسلم واشتراكي ديمقراطي، وأنه لا يرى سببًا للاعتذار عن أي من هوياته أو قناعاته.
وفي مارس الماضي، قال أيضًا إن الخطاب المعادي للمسلمين لا يستهدفه وحده، بل يؤثر في ملايين المسلمين الذين يعيشون في المدينة.
ومن هنا، يرى مؤيدوه أن الهجوم على كل ظهور لشخصية مسلمة أو محجبة في محتوى المدينة يكشف عن مشكلة أوسع تتعلق بقبول المسلمين باعتبارهم جزءًا طبيعيًا من المجتمع الأمريكي.

تقرير أكاديمي يرصد تصاعد الإسلاموفوبيا حول ممداني
وليس الجدل الحالي أول مرة تصبح فيها هوية ممداني الإسلامية محورًا للهجوم.
ففي مايو 2026، نشر Bridge Initiative التابعة لجامعة جورج تاون تقريرًا تناول ما وصفه بتصاعد الإسلاموفوبيا المحيطة بصعود ممداني السياسي، مشيرًا إلى أن صورًا نمطية معادية للمسلمين استُخدمت لمحاولة نزع الشرعية عن حملته، وأن الخطاب المعادي للمسلمين ازداد خلال حملته وبعد فوزه.
وبغض النظر عن الموقف السياسي من ممداني، فإن التقرير يضع الجدل الحالي داخل سياق أكبر، فالصراع حول صورته لم يبدأ بفيديو الأنشطة الصيفية، وإنما سبقه نقاش طويل حول الدين والسياسة والهوية في أكبر مدينة أمريكية.
أين تقف إدارة نيويورك من الجدل؟
حتى وقت إعداد هذا التقرير، لم يظهر في المصادر المتاحة تصريح مباشر من ممداني أو مكتبه يرد تحديدًا على الهجوم الذي أثاره الفيديو الأخير بسبب ظهور المرأة المحجبة.
وهذه نقطة مهمة، إذ إن معظم التصريحات المتداولة حول الواقعة جاءت من المنتقدين ومنشورات مستخدمي مواقع التواصل الاجتماعي، بينما ظل المحتوى الأصلي لممداني مركزًا على هدفه المعلن: توجيه الأسر إلى الأنشطة الصيفية المجانية للأطفال.
لذلك لا يصح تقديم الاتهامات التي وجهها المنتقدون إلى ممداني باعتبارها موقفًا رسميًا أو حقيقة مثبتة.

عندما تصبح ثوانٍ قليلة مرآة لمدينة كاملة
في النهاية، تكشف القصة عن ظاهرة تتجاوز ممداني والحجاب وحتى نيويورك نفسها.
ففي عصر السوشيال ميديا، قد تتحول صورة عابرة إلى قضية عامة، وقد يصبح اختيار شخص واحد للظهور في إعلان خدمي مدخلًا لمعركة حول الدين والهوية والهجرة والسياسة، امرأة محجبة ظهرت في فيديو يتحدث عن الأطفال، لكن الجدل لم يبقَ حول الأطفال.
الفيديو تحدث عن أنشطة مجانية، بينما أصبح النقاش عن الإسلام، والرسالة كانت موجهة إلى جميع الأسر، لكن البعض قرأ ظهور شخصية مسلمة باعتباره رسالة سياسية.
وهنا تكمن المفارقة الأعمق: ربما لم يكن السؤال الحقيقي هو لماذا ظهرت امرأة محجبة في فيديو نيويورك، وإنما لماذا أصبح ظهورها وحده كافيًا لإشعال كل هذا الجدل؟
في مدينة تشكلت هويتها عبر موجات متتالية من المهاجرين والثقافات، تبدو الإجابة أكبر من فيديو واحد، إنها معركة مستمرة حول من يحق له أن يظهر في الصورة، ومن يملك تعريف «النيويوركي العادي"، وهل يمكن لمدينة متعددة الأديان والثقافات أن تعكس تنوعها من دون أن يتحول كل رمز إلى معركة سياسية.
اقرأ أيضاً:
ما رأيك في هذا الخبر؟