وثيقة سياسة ملكية الدولة 2026-2030: الخريطة الكاملة لتخارج الحكومة وبرنامج الطروحات (1)
ملف استقصائي مطول من ثلاث حلقات
الحلقـة الأولـى: زلزال المَفاهيم التشريعية والمؤسسية.. من "عشوائية التبعية" إلى “صدمة التمكين”
إعداد: د محمد غالي
تخوض الدولة المصرية في غضون الفترة من 2026 إلى 2030 مرحلة هي الأخطر والأعمق في تاريخها الاقتصادي الحديث؛ حيث لم يعد الحديث مجرد رغبة عابرة أو مناورة تكتيكية لخصخصة بعض الشركات أو الأصول العامة بغرض جمع سيولة مالية مؤقتة تسد فجوة تمويلية عارضة، بل تحول الأمر إلى عملية إعادة صياغة جذرية وشاملة لمفهوم الأمن القومي الاقتصادي عبر ما يُعرف بـ "وثيقة سياسة ملكية الدولة في إصدارها الثاني المطور". ولأن النصوص النظرية والوعود الحكومية السابقة لم تكن تكفي وحدها لإحداث تغيير حقيقي في بنية البيروقراطية المصرية العتيقة، فقد تسلحت الدولة هذه المرة بـ "مشرط جراح تشريعي" تمثل في صدور القانون رقم 170 لسنة 2025. هذا القانون لم يكن مجرد إضافة عادية للمدونة القانونية، بل جاء لينهي تماماً عصر "جزر التشريع المنعزلة" التي تسببت لعقود طويلة في مبعثرة وتفتيت الأصول العامة بين قوانين وهيئات متضاربة المصالح والرؤى، مما كان يحرم الدولة من تعظيم قيمة أصولها ويحرم المستثمر من وضوح الرؤية.

إن الفلسفة العميقة والجوهرية التي ينطلق منها هذا التحول الهيكلي الضخم تكمن في صياغة وتطبيق مفهوم اقتصادي حديث هو "الدولة المُمكِّنة والمنظمة"، بديلاً عن مفهوم "الدولة الممالكة والمشغلة" الذي هيمن على الفكر الإداري لسنوات طويلة. تاريخياً، وبحسب القراءات التحليلية المتعمقة، عانى المستثمر المحلي والأجنبي على حد سواء من ضبابية شديدة وغياب للمصداقية في الأسواق المصرية؛ فلم يكن أي مطور اقتصادي قادراً على بناء دراسة جدوى حقيقية طويلة الأجل، أو اتخاذ قرار شجاع بالتوسع في خطوط الإنتاج وضخ استثمارات رأسمالية جديدة، بسبب معضلة "مزاحمة الكيانات الحكومية" التي كانت تملك ميزات تفضيلية استثنائية لا يمكن لأي رأسمال خاص منافستها. فالشركات العامة كانت تتمتع بالأراضي المجانية المرفقة، والوصول السهل والمدعوم إلى التمويل البنكي الرخيص، والضمانات السيادية المفتوحة، فضلاً عن قدرتها على تحمل الخسائر لسنوات طويلة دون إعلان إفلاسها، مما كان يؤدي في النهاية إلى إزاحة القطاع الخاص الكفء من السوق لصالح الكيان الحكومي الأقل كفاءة تنظيميية وتنافسية.

اليوم، يأتي الإصدار الثاني للوثيقة ليحدث صدمة إيجابية في الأسواق، معلناً صراحة إرساء مبدأ "الحياد التنافسي" كالتزام قانوني ودستوري صارم لا رجعة فيه؛ حيث تسقط بموجب هذا الإطار التشريعي الجديد كافة الإعفاءات الضريبية أو التفضيلات الجمركية الاستثنائية عن الشركات المملوكة للدولة، لتقف الأخيرة على خط مساواة كامل وعادل مع شركات القطاع الخاص. ولم تقف الثورة التنفيذية عند حدود النصوص التشريعية، بل امتدت لتحدث زلزالاً مؤسسياً غير مسبوق في الهيكل الإداري للدولة المصرية؛ حيث جرى اتخاذ القرار التاريخي الأبرز بإلغاء وزارة قطاع الأعمال العام بالكامل وتصفية اختصاصاتها. هذا الإجراء الجريء أنهى بشكل قاطع تشتت محفظة الأصول العامة بين وزارات متعددة كانت تتعامل مع الشركات بمنطق السياسة والتوظيف الاجتماعي والبيروقراطية، بدلاً من فكر الاقتصاد والاستدامة الحقيقية وتعظيم العوائد. وبدلاً من هذا التشتت العشوائي، تم حصر وتجميع الصلاحيات والخيارات في جهتين رئيسيتين تعملان بتناغم هندسي مقصود ومحوكم: "وحدة الشركات المملوكة للدولة برئاسة مجلس الوزراء" التي تلعب دور "العقل والمخطط والمراقب المركزي" وتتولى وضع السياسات العامة والأسقف المالية الملزمة للاستثمارات الحكومية الكلية، وفي المقابل، يتحرك "صندوق مصر السيادي" بمرونة وحرية كاملة ليمثل "الذراع الاستثمارية والتجارية الحصرية والنافذة" المنوط بها تسلم الأصول، وإعادة هيكلتها، وتطوير قيمتها، ومن ثم طرحها للشراكة أو البيع للمستثمرين المحليين والدوليين وفقاً لآليات السوق الحرة وبشفافية مطلقة.


اقرأ أيضاً:
- استقرار سعر الدولار أمام الجنيه اليوم الأحد 5 يوليو 2026
- جامعة دمنهور تطلق قافلة لمحو الأمية بإيتاي البارود ضمن الأنشطة الصيفية
- استمرار توريد القمح المحلي بالبحيرة.. استلام أكثر من 412 ألف طن
- الرئيس السيسي يوقع وثيقة افتتاح مقر القيادة الاستراتيجية
- حزب الشعب الجمهوري: افتتاح مقر القيادة الاستراتيجية يجسد قوة الدولة وجاهزيتها لمواجهة التحديات
ما رأيك في هذا الخبر؟