مثقفو الواجهة.. حين يرتدي الجهل ثياب المعرفة
يقول العم صلاح جاهين:
إنسان أيا إنسان ما أجهلك. ما أتفهك في الكون و ما أضألك. شمس وقمر و سدوم و ملايين نجوم. و فاكرها يا موهوم مخلوقه لك... عجبي !!
ثمة نوع من الناس لا يكتفي بأن يظن أنه يعرف، بل يتصرف كما لو أن المعرفة قد اختارته دون غيره، وأنه أصبح بمقتضى ذلك وصيًا على عقول الناس، وحارسًا للحقيقة، وصاحب الحق في توزيع شهادات الثقافة على هذا، وحجبها عن ذاك. يتحدث بثقة مفرطة، ويستدعي المصطلحات الكبيرة، ويستعرض أسماء المفكرين، ثم ما إن تقترب من الفكرة وتسأله عن دليلها، حتى تكتشف أن الضجيج كان أكبر من المعرفة، وأن المظهر الثقافي لا يخفي دائمًا فراغًا معرفيًّا فحسب، بل قد يستره غرور لا يقل خطورة عن الجهل نفسه.
إن المشكلة ليست في أن يجهل الإنسان؛ فالجهل بداية كل معرفة، والاعتراف به أول الطريق إلى تجاوزه. المشكلة أن يتوهم الجاهل أنه عالم، وأن يرى في مراجعة أفكاره انتقاصًا من قدره، وفي اختلاف الآخرين معه اعتداءً على مكانته. عندئذ لا يعود العلم غاية يسعى إليها، بل يصبح قناعًا يحتمي خلفه، وتتحول الثقافة من وسيلة لفهم الحياة إلى وسيلة لاستعراض الذات.
أخطر أنواع الجهل هو ذلك الذي لا يعرف صاحبه أنه جاهل، وأشد الغرور قسوةً أن يتصور المرء أن قصور الآخرين هو الدليل الوحيد على تفوقه.
وليس هذا المعنى جديدًا على تراثنا الفكري؛ فقد شغلت أخلاق العلم وأدب الاختلاف عقول العلماء والأدباء قرونًا طويلة. وكان الجاحظ، بما عُرف عنه من سعة الاطلاع ودقة الملاحظة والنفاذ إلى طبائع البشر، نموذجًا للمثقف الذي لا يكتفي بجمع الأخبار، بل يتأملها ويقارن بينها ويكشف ما وراءها من دوافع ومعانٍ. فالثقافة، في جوهرها، ليست مخزونًا من المعلومات يُستعرض عند الحاجة، وإنما قدرة على الفهم والتمييز، وملكة في قراءة الإنسان والمجتمع، واستعداد دائم لمراجعة الأحكام.
ولعل الفارق بين المثقف الحقيقي ومدّعي الثقافة يظهر بوضوح حين يختلفان. فالأول يناقش الفكرة، ويبحث عن حجتها، ويقبل أن يصحح موقفه إذا ظهر له ما هو أقوى منه. أما الثاني فيبحث عن ثغرة في خصمه، ويتصيد زلة في عبارته، ويستدعي ما استطاع من اتهامات، كأن انتصاره الشخصي أهم من الحقيقة التي يزعم الدفاع عنها. إنه لا يدخل الحوار ليتعلم، بل ليثبت أنه يعرف؛ ولا يسأل ليصل إلى جواب، بل ليصنع انطباعًا بأنه يمتلك الجواب مسبقًا.
ومن هنا يصبح الحوار معه مهمة شاقة؛ لأنك لا تواجه رأيًا قابلًا للمراجعة، بل صورة ذهنية صنعها صاحبها لنفسه، ثم راح يدافع عنها بكل ما أوتي من عناد. فإذا ناقشته بالدليل، انتقل إلى التشكيك في نواياك، وإذا طالبته بالتوثيق، احتمى بعبارات عامة، وإذا واجهته بتناقض واضح، اتهمك بأنك لا تفهم ما يقول. وهكذا تدور المعركة حول الأشخاص، بينما تظل الأفكار في مأمن من الفحص والنقد.
ولم يكن ابن خلدون، وهو يؤسس في المقدمة منهجًا متميزًا في فهم التاريخ والعمران، يكتفي بنقل الأخبار كما وجدها في الكتب، بل دعا إلى النظر في إمكان وقوعها، وموازنتها بأحوال البشر وطبيعة الاجتماع. كانت لديه قناعة جوهرية بأن كثرة الروايات لا تكفي لإثبات صحتها، وأن الخبر مهما شاع لا يعفي الباحث من تمحيصه.
وهذا درس ينبغي ألا يغيب عن كل من يتصدر للحديث في الشأن العام أو يتخذ من الثقافة منصة للظهور؛ فليست كل مقولة مشهورة صحيحة، ولا كل حكاية متداولة حقيقة تاريخية، ولا كل عبارة منسوبة إلى مفكر تصلح دليلًا لمجرد أنها توافق ما نريد قوله. إن احترام المعرفة يبدأ من احترام الدليل، والاعتزاز بالرأي لا يمنحه حصانة من النقد.
وللأسف، يجد مدّعو الثقافة في زمننا ما يساعدهم على الانتشار؛ فالكلمات اللامعة أسرع تداولًا من الأفكار العميقة، والأحكام القاطعة أكثر جذبًا للانتباه من التحليلات المتأنية، ومن يتحدث في كل شيء قد يبدو لبعض الناس أكثر علمًا ممن يتخصص في موضوعه ويعرف حدوده. وهكذا تختلط الشهرة بالقيمة، والقدرة على الكلام بالقدرة على التفكير، ويتحول الحضور المتكرر إلى شهادة زائفة بالكفاءة.
لكن الزمن وحده لا يصنع مثقفًا، كما أن كثرة المتابعين لا تمنح صاحبها عمقًا، والقدرة على صياغة جملة جذابة لا تعني بالضرورة القدرة على بناء فكرة متماسكة. فهناك فرق شاسع بين من يستخدم اللغة ليكشف المعنى، ومن يستخدمها ليخفي غيابه.
والمفارقة أن مدّعي الثقافة كثيرًا ما يتحدث عن التواضع وهو لا يحتمل أن يخالفه أحد، ويدعو إلى الحوار ثم يغلق أبوابه عند أول اعتراض، ويطالب الناس باحترام الرأي الآخر بينما لا يرى في آراء الآخرين إلا دليلًا على قصورهم. إنه يريد من الجميع أن ينصتوا إليه، لا أن يتحاوروا معه؛ وأن يعترفوا له، لا أن يناقشوه؛ وأن يسلموا بما يقول، لا أن يسألوه عن مصدر ما يقول.
وليس من الضروري أن يكون المثقف هادئًا في كل موقف، أو مترددًا في كل حكم، أو متساهلًا مع كل فكرة. فمن حقه أن يرفض، وأن ينتقد، وأن يدافع عن قناعاته بقوة. لكن القوة شيء، والاستعلاء شيء آخر؛ والتمسك بالمبدأ شيء، والعجز عن مراجعة النفس شيء آخر. فالثقة الحقيقية لا تخشى السؤال، والمعرفة الراسخة لا تضيق بالنقد، أما الادعاء فيحتاج دائمًا إلى جمهور يصفق له، لأنه لا يملك من الأدلة ما يكفيه ليقف وحده.
وكم من عالم حقيقي مرّ بين الناس دون ضجيج، ترك أثره في العقول قبل أن يطلب الاعتراف به، وكم من مدّعٍ استهلك عمره في إثبات أنه مثقف، حتى لم يبقَ لديه وقت كافٍ ليكون كذلك!
إننا لا نحتاج إلى مزيد من الأوصياء على عقول الناس، ولا إلى من يحتكرون حق الحديث باسم الحقيقة، بل نحتاج إلى ثقافة تعلّمنا كيف نفكر، لا ماذا نردد؛ وكيف نختلف دون أن نتخاصم، وكيف نعترف بالخطأ دون أن نشعر بأن كرامتنا قد انتقصت.
فالمثقف الحقيقي لا تقاس مكانته بما يعلنه عن نفسه، بل بما يضيفه إلى عقول الآخرين، ولا بقسوته في الحكم عليهم، بل بعدالته في فهمهم، ولا بقدرته على إسكات مخالفيه، بل بقدرته على إقناعهم.
أما أولئك الذين يتخذون من الثقافة لقبًا، ومن المعرفة سلطة، ومن الاختلاف خصومة، فليتهم يدركون أن ارتداء معطف الطبيب لا يجعل صاحبه طبيبًا، كما أن ترديد أسماء الفلاسفة لا يصنع فيلسوفًا، وأن الحديث عن الحكمة لا يمنح صاحبه نصيبًا منها.
ففي نهاية المطاف، لا يحتاج الجهل إلى من يفضحه دائمًا؛ فكثيرًا ما يتكفل صاحبه بالمهمة، حين يتحدث أكثر مما يعرف، ويحكم قبل أن يفهم، ويخاصم كل من يحاول أن يفتح أمامه نافذة صغيرة على ما لا يعرفه.
وتبقى الحقيقة التي لا تتغير: ليس العيب أن تكون قليل المعرفة، وإنما العيب أن تتخذ من قلة معرفتك منصةً للحكم على الآخرين؛ فالتواضع باب العلم، أما الغرور فغالبًا ما يكون آخر ما يتبقى حين تنفد الحجج.
اقرأ أيضاً:
- مدبولي يستعرض محاور جلستي التعليم والثقافة بمنتدى مصر 2026
- السبت المقبل.. انطلاق الدورة الـ26 من مهرجان الإسماعيلية الدولي للفنون الشعبية
- عاصمة البحيرة تتزين بالمعرفة: إنطلاق النسخة التاسعة من معرض دمنهور للكتاب،الخميس
- 6 رسائل من ضياء رشوان للصحفيين والإعلاميين.. تعرف عليها
- "شارع الفن" يواصل فعالياته في أسوان بعروض غنائية وورش لاكتشاف المواهب الصغيرة