ختان الإناث يعود إلى الواجهة من جديد.. ظاهرة قديمة بجرح لا يختفي
الأرقام تكشف الواقع.. تراجع الظاهرة واستمرار الخطر
لماذا لا تزال بعض الأسر تتمسك بالختان؟
بلاغ الشرقية يعيد القضية إلى الواجهة
من «الحلاق» إلى العيادات.. كيف تطورت الممارسة؟
أطباء يحذرون: لا فوائد طبية ومضاعفات خطيرة
شهادات مؤلمة.. ذكريات لا تغادر الضحايا
الصورة الذاتية للفتاة.. ضريبة نفسية طويلة الأمد
القانون يواجه الظاهرة.. وتجريم واضح للممارسة
التوعية والتشريع.. معركة مستمرة لحماية الفتيات
تحقيق - آية غنيم :
رغم التقدم الكبير فى الوعى الصحى والحقوقى، لا تزال ظاهرة ختان الإناث تمثل واحدة من أكثر القضايا الاجتماعية إثارة للجدل فى العديد من المجتمعات وبينما تؤكد المؤسسات الطبية والدينية والقانونية خطورة هذه الممارسة وما تسببه من أضرار جسدية ونفسية للفتيات ما زالت بعض الأسر تتمسك بها باعتبارها عادة متوارثة وبين الأرقام الرسمية، وشهادات الضحايا وجهود الدولة ومنظمات المجتمع المدنى لمكافحة الظاهرة، يقترب "
" فى هذا التحقيق من ظاهرة ختان الإناث للكشف عن أسباب استمراره وحجم انتشاره، والتحديات التى تواجه القضاء عليه.
الأرقام تتحدث.. تراجع الظاهرة واستمرار الخطر
ورغم الجهود التشريعية والتوعوية المكثفة التى تبذلها الدولة ومنظمات المجتمع المدنى تكشف الإحصاءات الرسمية أن ختان الإناث لم يختفى بشكل كامل من المجتمع المصري. فبحسب نتائج المسح الصحى للأسرة المصرية 2021، انخفضت نسبة النساء اللاتى تعرضن للختان إلى 86% مقارنة بـ92% عام 2014 ما يعكس تراجع تدريجى فى انتشار الظاهرة إلا أن الأرقام تشير فى الوقت نفسه إلى استمرارها بنسب مرتفعة في بعض المناطق الريفية ومحافظات الصعيد كما أن نسبة كبيرة من الحالات تُجرى على أيدى ممارسين صحيين الأمر الذى يؤكد أن المعركة ضد ختان الإناث لم تُحسم بعد وأن تغيير الموروثات الاجتماعية لا يزال يمثل التحدي الأكبر.

لماذا ما زال الختان مستمرًا؟
تعود أسباب استمرار أو عودة انتشار ختان الإناث فى بعض المناطق إلى مجموعة من العوامل المتشابكة فى مقدمتها الموروثات الثقافية والعادات المتجذرة التى ما زالت تعتبره لدى البعض ممارسة مرتبطة بالستر أو الحفاظ على القيم الاجتماعية رغم ثبوت خطورتها طبيًا وقانونيًا. كما يلعب الضغط المجتمعى والأسرى دور كبير فى دفع بعض الأسر إلى اتخاذ هذا القرار تحت تأثير الجدات أو الأقارب أو الخوف من نظرة المجتمع.
وهناك بعض المفاهيم الخاطئة حول “حماية الشرف” يساهم فى ترسيخ هذه الممارسة إلى جانب ضعف الوعى الصحى فى بعض البيئات الذى يجعل كثيرين لا يدركون حجم الأضرار الجسدية والنفسية المترتبة عليها.

بلاغ الشرقية.. الجهات المعنية تنقذ طفلة من الختان
وعلى الرغم من اعتقاد كثيرين أن ظاهرة الختان أصبحت من الماضى خاصة فى القرى والمناطق الريفية وأن الأسر باتت تلجأ إلى الأطباء المختصين لإجراء ختان الذكور فى بيئة طبية آمنة بينما اختفى ختان الإناث تمامًا فإن الواقع يكشف أن هذه الممارسة لا تزال موجودة فى بعض المناطق وخلال أيام عيد الأضحى تلقى المجلس القومى للطفولة والأمومة بلاغًا يفيد باعتزام أسرة بمحافظة الشرقية إخضاع طفلة تبلغ من العمر 12 عامًا لعملية ختان. وعلى الفور تدخلت الدكتورة سحر السنباطي، رئيسة المجلس وتم اتخاذ الإجراءات القانونية اللازمة لمنع الواقعة وحماية الطفلة إلى جانب اتخاذ الإجراءات القانونية ضد الأسرة فى واقعة تؤكد أن جهود مواجهة ختان الإناث لا تزال مستمرة وأن الظاهرة لم يقضى عليها بشكل كامل حتى الآن.

من "الحلاق" إلى العيادات.. كيف تطورت الممارسة
فى الماضى كانت عمليات ختان الأولاد والبنات تُجرى بعيدًا عن الإشراف الطبى على يد أشخاص عُرفوا شعبيًا باسم "الحلاق" أو "المُزيّن" الذين كانوا يتولون تنفيذ هذه الممارسات بأدوات بدائية وفى ظروف تفتقر إلى أبسط معايير السلامة. وتسببت هذه العمليات فى كثير من الأحيان فى مضاعفات صحية خطيرة من نزيف والتهابات وتشوهات دائمة فضلًا عن الآثار االفتاة لسنوات طويلة. فالتجربة غالبًا ما ترتبط بصدمة وخوف شديدين خاصة إذا تمت فى سن صغير وبدون وعى كامل بما يحدث وهو ما قد يؤدى لاحقًا إلى مشاعر قلق مستمر لنفسية العميقة التي ظلت تلاحق العديد من الأطفال لسنوات طويلة. وبين الخوف والألم والذكريات القاسية حمل كثير من الضحايا معاناة جسدية ونفسية امتدت معهم إلى مراحل متقدمة من حياتهم.
أطباء يحذرون: لا فوائد طبية والنتائج كارثية
وفي هذا السياق، يؤكد الدكتور أحمد سعد، أخصائي النساء والتوليد، فى تصريحاته "للخبر لايف"أن ختان الإناث لا يحمل أى فائدة طبية على الإطلاق، بل يعرض الفتاة لمضاعفات صحية خطيرة قد تبدأ منذ لحظة إجراء العملية. ويوضح أن أبرز هذه المخاطر تشمل النزيف الحاد، والالتهابات البكتيرية، والصدمة العصبية الناتجة عن الألم الشديد، فضلًا عن احتمالية حدوث تشوهات دائمة بالأعضاء التناسلية.
ويضيف أن الآثار لا تتوقف عند المضاعفات الفورية، بل تمتد إلى مشكلات صحية طويلة الأمد مثل الآلام المزمنة، وصعوبة العلاقة الزوجية مستقبلًا، ومضاعفات الحمل والولادة. كما أن كثيرًا من الفتيات يتعرضن لآثار نفسية عميقة تتمثل في القلق والخوف وفقدان الشعور بالأمان وقد تستمر هذه المشكلات لسنوات طويلة بعد إجراء الختان. ويشدد على أن جميع المؤسسات الطبية العالمية والمحلية تؤكد أن ختان الإناث ممارسة ضارة لا سند طبيًا لها وأن حماية الفتيات منها مسؤولية مجتمعية وقانونية وصحية فى المقام الأول.
بين التأييد والرفض.. هل تغيرت نظرة المجتمع؟
ورغم التحذيرات الطبية المتواصلة والعقوبات القانونية التي تجرم ختان الإناث لا تزال الآراء المجتمعية حول هذه الممارسة تتباين بين مؤيد يرى فيها عادة متوارثة يجب الحفاظ عليها ومعارض يعتبرها انتهاكًا لحقوق الفتيات وصحتهن. وبين هذا وذاك، يبقى السؤال الأهم: كيف ينظر المواطنون اليوم إلى ختان الإناث؟ وهل تغيرت القناعات المجتمعية بالفعل أم ما زالت بعض المعتقدات القديمة تفرض حضورها؟ للإجابة عن هذه التساؤلات رصد "
" آراء عدد من المواطنين حول الظاهرة وموقفهم منها.

شهادات من الواقع.. بين الرفض وذكريات المعاناة
وكشفت آراء عدد من المواطنين عن تراجع القبول المجتمعى لختان الإناث مع بقاء ذكريات مؤلمة لدى من تعرضن لهذه الممارسة فى طفولتهن.
قالت "و.أ"، ربة منزل، إن الفتيات فى الماضى كن يتعرضن للختان قسرًا وسط تشجيع من بعض أفراد الأسرة اعتقادًا بأن ذلك يحافظ على الشرف، مضيفة: "كنا بنتختن غصب عننا، ولسه آثار التجربة الصحية والنفسية معانا لحد دلوقت".
فيما أكدت "ر.م" رفضها التام لهذه الممارسة مشيرة إلى أنها لن تسمح أبدًا بإخضاع بناتها للختان، قائلة: "دى جريمة.. ليه أحرمهم من نعمة ربنا عليهم؟"
واستعادت "ك.م" تفاصيل تجربة عاشتها فى طفولتها موضحة أن جدتها أحضرت سيدة لإجراء الختان لها ولعدد من بنات العائلة وأضافت: "كان عندى 10 سنين وفاكرة كل حاجة حصلت جوه الأوضة.. كان عذاب بمعنى الكلمة".
من جانبها، أوضحت "س.خ" أن والدتها رفضت خضوعها للختان رغم الضغوط العائلية مؤكدة أن موقف والدتها حماها من تجربة كانت ستترك آثارًا صعبة على حياتها.
أما "ط.ع" فيرى أن الظاهرة تراجعت بشكل كبير خلال السنوات الأخيرة، قائلًا: "الموضوع اختفى تقريبًا والناس بقى عندها وعى أكبر بمخاطره الصحية والنفسية"

الندوب الخفية.. الآثار النفسية التى تستمر لسنوات
وتعكس هذه الشهادات حجم المعاناة التي لا تتوقف عند الألم الجسدى فحسب، بل تمتد لتترك آثار نفسية قد تلازم الفتاة لسنوات طويلة. فبين ذكريات الخوف والصدمة والشعور بانتهاك الجسد تبقى التداعيات النفسية أحد أخطر الجوانب المرتبطة بختان الإناث.
ولا يمكن اختزاله عند لحظة الإجراء فقط، بل تمتد لتترك انعكاسات نفسية عميقة قد ترافق واضطرابات فى النوم وتراجع الثقة بالنفس إلى جانب صعوبة فى التعبير عن المشاعر أو التعامل مع الذكريات المرتبطة بالواقعة.
الآثار النفسية على الحياة الاجتماعية و العاطفية
ومع مرور الوقت، قد تنعكس هذه الآثار النفسية على الحياة الاجتماعية والعاطفية بما فى ذلك العلاقة الزوجية مستقبلًا حيث يمكن أن تظهر مشكلات تتعلق بالخوف أو التوتر أو عدم الارتياح النفسى فضلًا عن ضعف الإحساس بالأمان والقبول.
أثر الختان على الصورة الذاتية للفتاة
وتشير العديد من الدراسات العالمية إلى أن هذه التجربة قد تترك أثرًا ممتدًا على صورة الفتاة عن ذاتها وجسدها ما يجعل التعامل مع تبعاتها النفسية جزء أساسى من أى جهود توعوية أو علاجية تستهدف حماية الفتيات ودعمهن.
فى النهاية، يبقى ختان الإناث ليس مجرد ممارسة تقليدية يختلف حولها الناس، بل قضية تمس جوهر الإنسان وحقه فى السلامة الجسدية والنفسية. وبينما تتبدل العادات وتتغير المفاهيم مع الزمن يظل معيار الإنسانية الحقيقى هو حماية الجسد من أى أذى وصون كرامة الفرد منذ طفولته. لقد حسم القانون المصرى موقفه بوضوح مُجرّمًا هذه الممارسة باعتبارها اعتداء صريح على الحق فى الحياة والسلامة الجسدية لتصبح المواجهة اليوم ليست فقط مع موروث اجتماعى، بل مع فعل يضع مرتكبيه تحت طائلة المساءلة القانونية.
وهكذا، يظل الأمل معقود على وعى يتنامى وقانون يُطبق ومجتمع يختار أن ينحاز للعلم والرحمة بدلًا من الألم.
ما رأيك في هذا الخبر؟