عندما ذهب الدكتور يوسف بطرس غالي إلى البروفسير لانس تايلور استاذه ومشرفه على رسالة الدكتوراه ليعرض عليه مقترح الرسالة وكانت هذه الاطروحه من القطع الكبير كعادة رسائل الباحثين المصريين فبادره قائلا " I want your grandmother to understand you" بمعنى أنه يريد أن يبسط الرساله للدرجة التي تستطيع جدته غير المتخصصه فهمها وفهم محتواها وظل يرددها له اكثر من مره على مدار فترة إعداد الرساله حتى تم اختصارها في معادلة رياضيه وقتها اجاز له أن يستكمل إطارها النظري وباقي محتوياتها تمهيدا لمناقشتها . من هنا تشكلت العقليه الاقتصادية للدكتور يوسف بطرس غالي فهو ينتمي إلى المدرسه الكلاسيكية التي تهوى تبسيط الأمور وتبتعد عن التعقيد وتنحاز إلى السوابق المجربه والتجارب الناجحة . ولذلك عندما تولى وزارة الماليه قدم مقترح مشروع قانون الضريبة الموحده على الدخل والذي صدر في العام ٢٠٠٥ وبالمناسبة لازال هو المعمول به حتى وقتنا هذا وتأتي فلسفة هذا القانون في تبسيط الإجراءات وتوسيع القاعدة الضريبية من خلال بث الثقة في الممولين وتخفيض سعر الضريبة من ٤٠٪ إلى ٢٠٪ آنذاك واعتمد غالي في هذا القانون على التجارب الناجحه من دول مشابهه للحاله المصرية والاقتصاد المصري وقد تضاعفت الحصيلة الضريبية عقب تطبيق هذا القانون . تذكرت ذلك عندما طل علينا وزير الماليه الأسبق من خلال القنوات الفضائيه معارضا مبادرة رجل الاعمال حسن هيكل والتي عرفت إعلاميا " بالمقايضه الكبرى ".
وتتلخص تلك المبادرة في قيام الدولة المصرية بإنشاء صندوق توضع فيه مجموعة من الأصول المصرية ومنها ايرادات قناة السويس تكون تحت تصرف وإدارة البنك المركزي مقابل تصفير الديون على الدولة .
وحسن هيكل لمن لا يعرفه هو الابن الأصغر للكاتب الكبير محمد حسنين هيكل تخرج من كلية الاقتصاد والعلوم السياسية عام ١٩٨٧ وعين معيدا لكنه لم يكمل وقدم استقالته بعد سنتين مفضلا العمل في أحد البنوك الاستثمارية الكبرى " جولد مان ساكس" (Goldman Sachs) قبل أن يلحق بخاله رجل الاعمال المرحوم محمد تيمور مؤسس المجموعه الماليه هيرمس (EFG Hermes) للعمل معه وهو ما يعطي لك انطباع عن هيكل الابن أنه مغامر بطبعه فهو ترك الحياة الجامعيه المستقرة متوجها بإرادته إلى عالم البيزنس وإدارة المخاطر .
ويكمن اعتراض الدكتور بطرس غالي على مبادرة هيكل الابن في أنها لن تحل المشكله في حال ظلت المشاكل الهيكلية للاقتصاد المصري من عجز الموازنه وميزان المدفوعات قائمه. فطالما ظلت إيرادات الدولة أقل من نفقاتها وطالما استمرت الواردات أكبر من الصادرات لن تحل الازمه الاقتصادية وما ستفعله هذه المبادرة هو هروب بالازمه للامام لنواجه وضع أكثر سوء بعد فترة. كما يرى أن أموال المودعين بالبنوك ليست ملكها ولا يجوز المقايضة عليها ويرى أيضا أنه لا توجد تجارب ناجحه يمكن القياس عليها وأن الحل في الإصلاح الهيكلي للاقتصاد من خلال الاستثمار الذي يخلق نمو وتشغيل ويزيد من الصادرات وغير ذلك هي مسكنات تعالج العرض وتترك المرض ينهش في جسد الاقتصاد المصري.
ولأن هذه هي المره الثانيه التي يطرح فيها هيكل الابن مبادرته فاولها كانت في لقاء عدد من رجال الأعمال مع رئيس الوزراء مصطفى مدبولي منذ عدة أشهر خرج مره اخرى حسن هيكل مدافعا عن مبادرته بأن عدم وجود سوابق أو تجارب لا يقدح فيها أو ينال منها بل يعضدها ويزيد من قوتها ويدل على تفرد مصر وعقول أبنائها وبذلك يتضح أن كل منهم ينتمي الى مدرسه فكريه مختلفه وأن ارائهم هي نتاج هذا الفكر. فهيكل يريد عمل اسعافات اوليه لوقف خنق البيت بالديون وغالي يريد عمل جراحه قاطعه لعلاج المرض من الاساس .
وهذا الخلاف أثار حاله من الجدل لدى المصريين مثلما أثار الجدل بين خبراء الاقتصاد فالخلاف بين اثنين من الاقتصاديين ليس خلافا عاديا فمن يعارض غالي يرى أنه هو الحفيد الأصغر لبطرس باشا غالي رئيس وزراء مصر ووزير ماليتها في اواخر القرن قبل الماضي والذي اتهم من البعض بالخيانه فهو من ترأس هيئة المحكمه الخاصة بحادثة دنشواي ومن يؤيده يرى أنه من عائلة وطنيه وان بطرس غالي الجد كان رجل سياسي يجيد فن الممكن وكذلك الحال بالنسبه لهيكل الابن فمن ينحاز اليه يرى أنه ابن الاستاذ - كما يطلق عليه في عالم الصحافه ـ الذي أثرى الحياه السياسيه وكان من الفاعلين في السياسة المصريه في أهم حقبتين في تاريخها المعاصر ومن يستهجنهم يرى هيكل الاب هو مهندس النكسه . وأمام هذا الجدل لم يضيع علاء مبارك الفرصه في أن يغرد عبر منصة (X) منحازا لبطرس غالي الحفيد ضد هيكل الابن . فمرور الايام لم ينسيه عداء الآباء كما لم ينسيه سنوات حبسه الاحتياطي في قضية البنك الوطني المصري التي كان تعرف بقضية التلاعب في البورصة وحبس فيها هو وشقيقه احتياطيا وكان حسن هيكل أحد المتهمين فيها وظل خارج البلاد حتى انتهت القضية واسدل الستار عليها ببراءة جميع المتهمين .
ولأنني أحسن الظن بالجميع فإنني لن انحاز لصالح اي طرف لكن ظني أن أي مبادرة عندما تتعلق بأصل أو ممر ملاحي مثل قناة السويس فإن الأمر لايخضع للهندسيه الماليه وأثارها الاقتصاديه والاجتماعيه وانما الأمر هنا يخضع لمقتضيات ومحددات الأمن القومي المصري من اقرب نقطه وهي سيادة الدولة على أهم مجرى ملاحي عالمي يمر بها وبالتالي فإن الأمر لا يخضع للحسابات الاقتصادية الضيقة كما يعتقد الاقتصاديون وانما يخضع لتقدير الدولة وقيادتها بمعناها الشامل.
وبالرغم من اهميه وخطورة هذا الملف الذي يقلق المصريين شعبا وحكومة. أفرادا ومؤسسات إلا أن المطمئن في هذا الأمر أننا مررنا بالعديد من الازمات عبر تاريخنا القديم والمعاصر وأعتدنا على تجاوزها فالدولة لم تتعثر يوما أو تتخلف عن سداد ديونها. فمصر قد تمرض لكنها لا تموت .