في تطور لافت يؤكد عمق الأزمة الداخلية وتداعياتها الإقليمية، تتصاعد التساؤلات بشأن هوية صانع القرار الفعلي في طهران، خاصة مع تزايد نفوذ الحرس الثوري الإيراني وهيمنته على المشهد. لم تعد هذه الاستفهامات مجرد تحليلات استراتيجية أو نقاشات أكاديمية بعيدة عن الواقع، بل باتت في صميم المشهد الإقليمي المتفجر، حيث تتشابك خيوط الصراعات وتتزايد التوترات. السؤال الأبرز الذي يتردد صداه في الأوساط السياسية والإعلامية هو: من يملك حق التوقيع على قرار الحرب؟ ومن يقف وراء إطلاق الصواريخ وتوجيه الميليشيات الإقليمية، ثم يتبرأ من تبعات أفعالها؟ ومن يحكم إيران فعلياً في ظل هذا التداخل الواضح في السلطات؟
تأتي هذه التساؤلات الملحة في ظل تاريخ طويل من التمدد التدريجي لنفوذ الحرس الثوري، الذي لم يعد مقتصراً على الجانب العسكري والأمني فحسب، بل امتد ليشمل الاقتصاد والسياسة الخارجية والدفاعية. فمنذ تأسيسه بعد الثورة الإسلامية، نما الحرس ليصبح دولة داخل الدولة، بمؤسساته المالية والتجارية وشبكة واسعة من الميليشيات الوكيلة في دول الجوار. هذا التمدد المستمر أدى إلى تآكل تدريجي في صلاحيات المؤسسات المنتخبة، مثل الرئاسة والبرلمان، وأصبحت قرارات مصيرية تتخذ في أروقة الحرس الثوري ومكتب المرشد الأعلى، بعيداً عن الرقابة الشعبية أو المساءلة الرسمية.
وتترتب على هذه الفوضى في صنع القرار تداعيات خطيرة على المستويين الداخلي والإقليمي. فعلى الصعيد الداخلي، يؤدي غياب الوضوح بشأن السلطة إلى إضعاف هيبة الدولة ومؤسساتها الرسمية، مما يفاقم من حالة عدم الثقة لدى المواطن الإيراني ويزيد من احتمالات الاضطرابات. أما إقليمياً، فإن هذه الازدواجية في السلطة تزيد من تعقيد المشهد الأمني، حيث يصعب على الأطراف الإقليمية والدولية تحديد الجهة التي يمكن التفاوض معها بفاعلية، أو تحميلها المسؤولية عن التجاوزات. الأمر الذي يغذي حالة من عدم الاستقرار ويدفع بالمنطقة نحو مزيد من التوتر والمواجهة، في ظل استمرار أنشطة الحرس الثوري التي تتجاوز الحدود.
في المقابل، يتابع المجتمع الدولي بقلق بالغ هذه الديناميكية المعقدة داخل إيران. فبينما تسعى القوى الغربية إلى استئناف المفاوضات بشأن الملف النووي، تجد نفسها أمام تحدي فهم من يملك الكلمة الفصل في طهران. هل هي الحكومة المنتخبة التي تتحدث باسم الدبلوماسية، أم الحرس الثوري الذي يواصل أنشطته العسكرية في المنطقة؟ هذا الغموض يعرقل جهود احتواء التوترات ويضعف من فعالية العقوبات الدولية، التي غالباً ما تستهدف مؤسسات حكومية بينما يواصل الحرس الثوري عملياته عبر شبكاته الواسعة. دول الجوار أيضاً تعبر عن مخاوفها المتزايدة، مطالبة بوضوح في الرؤية الإيرانية لضمان الأمن الإقليمي.
ختاماً، تبقى الأسئلة حول مركز القرار في طهران معلقة دون إجابات واضحة، وهو ما يغذي حالة من الترقب والقلق في المنطقة والعالم. وفي ظل استمرار هيمنة الحرس الثوري وتدخله في مفاصل الدولة، من المرجح أن تستمر هذه الفوضى في صنع القرار، مما يدفع نحو تصاعد التوترات ويزيد من صعوبة التوصل إلى حلول مستدامة للأزمات الإقليمية