شهدت العاصمة السودانية الخرطوم، يوم الاثنين، هجوماً بطائرة مسيرة استهدف محيط مطارها الدولي، في تطور لافت أعاد بحدة التوتر في العلاقات السودانية الإثيوبية إلى واجهة الأحداث الإقليمية. يمثل هذا الهجوم تصعيداً نوعياً يثير مخاوف عميقة بشأن إمكانية جر البلاد، التي تمزقها حرب داخلية، إلى صراع إقليمي أوسع نطاقاً، في منطقة تعاني أصلاً من هشاشة أمنية وتداخلات جيوسياسية معقدة.
يأتي هذا التصعيد على وقع تاريخ طويل من الخلافات والمناوشات بين البلدين الجارين، أبرزها النزاع الحدودي حول منطقة الفشقة الزراعية الخصبة، التي شهدت اشتباكات متكررة بين القوات السودانية والإثيوبية على مر السنين. يضاف إلى ذلك ملف سد النهضة الإثيوبي الكبير على النيل الأزرق، الذي يشكل نقطة خلاف جوهرية حول حصص المياه ومخاوف السودان ومصر من تداعياته على أمنهما المائي. هذه الملفات الشائكة، التي ظلت قيد التفاوض والتوتر لعقود، تبدو اليوم أكثر قابلية للاشتعال في ظل الفراغ الأمني والفوضى التي تعصف بالسودان.
وفيما يعيش السودان على وقع حرب مدمرة بين الجيش السوداني بقيادة الفريق أول عبد الفتاح البرهان وقوات الدعم السريع، تتزايد التحذيرات من أن تدفع التطورات الأخيرة أو الحسابات الاستراتيجية للقيادة السودانية البلاد نحو حافة المواجهة المباشرة مع الجارة الشرقية. تثير هذه المخاوف تساؤلات حول قدرة السودان على إدارة جبهات صراع متعددة، وتداعيات ذلك على استقرار المنطقة برمتها. إن أي تصعيد عسكري مباشر بين الخرطوم وأديس أبابا قد يلقي بظلاله على دول الجوار ويزيد من تدفق اللاجئين ويعقد جهود الإغاثة الإنسانية، فضلاً عن تهديده لممرات التجارة الحيوية في البحر الأحمر.
وعلى الصعيد الإقليمي والدولي، تتابع العديد من الأطراف بقلق بالغ تطورات الأوضاع بين السودان وإثيوبيا. دعت منظمات إقليمية، مثل الهيئة الحكومية للتنمية (إيغاد) والاتحاد الأفريقي، مراراً إلى ضبط النفس وتغليب لغة الحوار لحل الخلافات. غير أن هشاشة الوضع في القرن الأفريقي، حيث تتداخل المصالح وتتعدد النزاعات الداخلية، تجعل من أي تصعيد جديد تهديداً مباشراً لاستقرار القارة بأسرها. تبرز الحاجة الماسة لجهود دبلوماسية مكثفة ومبادرات وساطة دولية لاحتواء الأزمة ومنع تحولها إلى صراع مفتوح.
تبقى المنطقة على مفترق طرق خطير، فإما أن تسود الحكمة وتُقدم الجهود الدبلوماسية لاحتواء التوتر، أو أن تنجرف الأوضاع نحو مربع التصعيد الذي لا يخدم مصالح أي طرف. يتطلب الوضع الراهن من قيادات البلدين تغليب لغة العقل وتجنب أي خطوات من شأنها أن تدفع المنطقة نحو المزيد من عدم الاستقرار والصراع.