ملف استقصائي | فاتورة الصيف الساخن: كيف تتداخل معادلة الغاز وديون الكهرباء مع استهداف ميناء دمياط؟ (3)
الحلقة الثالثة: حادث ميناء دمياط.. توقيت مثير للجدل
ملف استقصائي إعداد د. محمد غالي :
الحادث الذي سبق القرار بأيام
قبل أيام قليلة من إعلان التعريفة الجديدة لأسعار الكهرباء، استهدفت طائرة مسيّرة سفينتين للتخزين والتغييز في ميناء دمياط على ساحل البحر المتوسط، في واقعة أثارت مخاوف من احتمال تأثر إمدادات الغاز الموجهة لقطاع الكهرباء خلال ذروة الصيف. الميناء يشكّل نقطة محورية في منظومة استيراد الغاز المسال التي فصّلتها الحلقة الأولى، ما جعل الربط بين الحادثين أمرًا شبه تلقائي في التداول العام.
وبمجرد صدور بيان وزارة الكهرباء مساء الجمعة، تصدّر السؤال المشهد الإعلامي: هل جاء رفع الأسعار كرد فعل مباشر على الحادث؟ تعامل المتحدث الرسمي للوزارة، المستشار منصور عبد الغني، مع هذا السؤال في سلسلة تصريحات متكررة عبر أكثر من قناة فضائية خلال يوم واحد.

نفي رسمي متكرر.. وتأكيد على استقلالية القرار
في تصريحاته عبر قناة إكسترا نيوز، شدد عبد الغني على أن إقرار التعريفة الجديدة جاء وفق الإجراءات والآليات المعتمدة مسبقًا لمنظومة تسعير الكهرباء، ولا صلة له بحادث دمياط. وأكد أن ما يتم تداوله بشأن الربط بين الحدثين لا يستند إلى أي أساس من الصحة، وأن ملف التسعير يُدار بمعزل عن أي تطورات أمنية طارئة.
كما أوضح المتحدث أن آخر زيادة شملت الشريحة الأولى من الاستهلاك المنزلي كانت في أغسطس 2024، مشيرًا إلى أن التكلفة الفعلية لإنتاج الكيلوواط ساعة تبلغ نحو 8 جنيهات، بينما تحاسَب هذه الشريحة بنحو 68 قرشًا فقط، في إطار استمرار دعم محدودي الدخل. كذلك نفى أي تعديل على تعريفة العدادات مسبقة الدفع (الكودية)، مؤكدًا استمرار العمل بها وفق أسعارها السابقة دون تغيير.
جدل عام وانتقادات إعلامية
رغم النفي الرسمي، لم يهدأ الجدل العام حول توقيت القرار. الإعلامي محمد علي خير انتقد، عبر منشور شخصي، رفع الأسعار في ذروة الموجة الحارة وتزامنه مع اعتماد المواطنين المتزايد على المراوح والمكيفات، معتبرًا أن الأولوية في هذا التوقيت السياسي والأمني الحساس كانت تقتضي عدم المساس بأسعار خدمة أساسية كالكهرباء.
في المقابل، ذهبت تحليلات أخرى إلى فصل الملفين بوضوح، مرجعة توقيت القرار إلى دورة تسعير دورية شبه ثابتة تتكرر مرتين سنويًا، في يناير ويوليو من كل عام، بصرف النظر عن الأحداث الطارئة، وهو ما يتسق مع البيانات التي رصدتها الحلقتان الأولى والثانية حول الفجوة الموسمية في استهلاك الغاز، وتراكم المديونية بين وزارتي الكهرباء والبترول.

خيوط الملف الثلاثة.. إلى أين؟
بجمع خيوط الحلقات الثلاث، يبدو أن قرار رفع أسعار الكهرباء نتاج تراكم بنيوي طويل الأمد أكثر منه ردّ فعل آني:
فجوة موسمية بين الإنتاج المحلي المتراجع للغاز والاستهلاك الصيفي المتصاعد.
مديونية متراكمة بين وزارتي الكهرباء والبترول تجاوزت نصف تريليون جنيه تقريبًا.
دورة تسعير شبه منتظمة تتكرر كل ستة أشهر منذ عام 2021.
حادث ميناء دمياط، وإن جاء في توقيت لافت، يبدو - وفق التصريحات الرسمية المتكررة - عاملًا موازيًا لا سببًا مباشرًا لقرار كان مطروحًا أصلًا على طاولة الحكومة.
المسار المقبل، بحسب مؤشرات القطاع، يتجه نحو مزيد من صفقات استيراد الغاز طويلة الأجل، من بينها صفقة جديدة بقيمة 20 مليار دولار جرى توقيعها مبدئيًا مع مصدر إقليمي مستورد، بهدف تقليل الاعتماد على الغاز المسال الأغلى ثمنًا. لكن ما لم يتغير هو المعادلة الأساسية: طالما ظل الفارق بين إنتاج محلي يبلغ 3.8 مليار قدم مكعب واستهلاك صيفي يقترب من 7 مليارات قائمًا، فإن فاتورة الصيف الساخن مرشحة للتكرر، بصرف النظر عمّا يجري في موانئ الغاز من أحداث طارئة.

خاتمة
يكشف هذا الملف أن أزمة تسعير الكهرباء في مصر أعمق من أي حادث بعينه، وأنها مرتبطة ببنية تكلفة الغاز، وبعلاقة مديونية متبادلة بين وزارتين، وبدورة تسعير شبه دورية باتت جزءًا من إدارة قطاع الطاقة. النقاش النيابي حول الشفافية، ومطالبات الكشف عن بيانات التكلفة الكاملة، يظل المدخل الأهم لفهم حجم الفجوة الحقيقية بين ما يدفعه المواطن وما تتحمله الدولة، بعيدًا عن أي محاولة لاختزال القصة في توقيت حادث واحد.
اقرأ أيضاً:
- ملف استقصائي | فاتورة الصيف الساخن: كيف تتداخل معادلة الغاز وديون الكهرباء مع استهداف ميناء دمياط؟ (2)
- بنشحن بـ2000 جنيه وبيخلص في 3 أيام.. رد رسمي على شكوى لميس الحديدي من أسعار الكهرباء
- ملف استقصائي | فاتورة الصيف الساخن: كيف تتداخل معادلة الغاز وديون الكهرباء مع استهداف ميناء دمياط؟ (1)
- وزير الكهرباء: زيادة الأسعار ليست بسبب البنزين أو السولار
- بعد زيادة أسعار الكهرباء.. خطوات بسيطة تقلل استهلاك التكييف وتخفض قيمة الفاتورة
ما رأيك في هذا الخبر؟