عاجل
الأمن يفحص مقطع فيديو لشخص يتسلق مبنى داخل كمبوند بأكتوبر وسط مزاعم السرقةالهلال يضرب الفيحاء بثلاثية ويواصل صدارة الدوري السعوديالطبلية والشاشة السمارتمفاجأة في مستقبل مرموش.. نادٍ إنجليزي يقترب من حسم الصفقةأول رد من بلبن بعد إيقاف خطوط إنتاج بمصنع العبور بسبب ملاحظات صحيةغياب فيديوهات الخيانة يفجر مفاجأة جديدة في «مجزرة الشوش» بسوهاجحالة الطقس غدًا الجمعة.. ارتفاع الحرارة وتحذير من الشبورة واضطراب الملاحةالزمالك يحسم قائمة الموسم الجديد.. بيزيرا حاضر وأرقام القمصان تكشف اختيارات اللاعبينكشف ملابسات فيديو بيع خمور لطفل في الأقصر.. مفاجأة في كواليس الواقعةأمطار رعدية تضرب السعودية.. الدفاع المدني يوجه تحذيرًا عاجلًا للمواطنينالأمن يفحص مقطع فيديو لشخص يتسلق مبنى داخل كمبوند بأكتوبر وسط مزاعم السرقةالهلال يضرب الفيحاء بثلاثية ويواصل صدارة الدوري السعوديالطبلية والشاشة السمارتمفاجأة في مستقبل مرموش.. نادٍ إنجليزي يقترب من حسم الصفقةأول رد من بلبن بعد إيقاف خطوط إنتاج بمصنع العبور بسبب ملاحظات صحيةغياب فيديوهات الخيانة يفجر مفاجأة جديدة في «مجزرة الشوش» بسوهاجحالة الطقس غدًا الجمعة.. ارتفاع الحرارة وتحذير من الشبورة واضطراب الملاحةالزمالك يحسم قائمة الموسم الجديد.. بيزيرا حاضر وأرقام القمصان تكشف اختيارات اللاعبينكشف ملابسات فيديو بيع خمور لطفل في الأقصر.. مفاجأة في كواليس الواقعةأمطار رعدية تضرب السعودية.. الدفاع المدني يوجه تحذيرًا عاجلًا للمواطنين
schedule الخميس 20 أغسطس 2026 ٧ ربيع الأول ١٤٤٨ هـ
الخبر لايف

الطبلية والشاشة السمارت

أخبار66 دقيقةvisibility2
schedule
من جيل الطبلية إلى جيل الشاشة الذكية.. قراءة في تحولات المجتمع وأهمية الأسرة والقدوة واللعب الحقيقي في صناعة الإنسان.

حين كانت المائدة تُربّي… وكانت اللعبة تصنع الإنسان

سأحتفل بعامي الواحد والخمسين لا باعتباره رقمًا يضاف إلى العمر، وإنما باعتباره فرصة لأن ألتفت قليلًا إلى الوراء، لا لأبكي على زمن مضى، ولا لأقول إن الماضي كان جنة وأن الحاضر هو الجحيم، وإنما لأتأمل ذلك الطريق الطويل الذي قطعناه، وما الذي كسبناه فيه وما الذي فقدناه، وكيف انتقلنا، في سنوات قليلة، من عالم كانت فيه أشياء قليلة تصنع فرحًا كبيرًا، إلى عالم يملك كل شيء تقريبًا، لكنه يبحث عن معنى الفرح.

حين أتذكر طفولتي وجيلي، أتذكر الطبلية قبل أن أتذكر أشياء كثيرة؛ تلك القطعة البسيطة التي كانت تتوسط البيت، وتجمع الأسرة حولها في الطعام والكلام والضحك والعتاب، ولم تكن في حقيقتها مجرد طبلية، وإنما كانت مدرسة يومية نتعلم حولها معنى المشاركة والاحترام والصبر، وكان الطفل يعرف مكانه بين الكبار والصغار، ويتعلم أن اللقمة تُقسم، وأن الكبير يُحترم، وأن الكلام له أدب، وأن الاختلاف لا يعني القطيعة، وأن الأسرة ليست مجموعة أشخاص يعيشون تحت سقف واحد، وإنما كيان واحد يتسع للجميع.

وبين الطبلية وشارعنا القديم كانت توجد مدرسة أخرى لا تقل أهمية، هي اللعب؛ فقد كنا نخترع ألعابنا كما نخترع عالمنا، ولم نكن ننتظر لعبة جاهزة تأتي في علبة فاخرة، بل كانت قطعة خشب أو حجر أو كرة شراب قديمة أو علبة صفيح كفيلة بأن تتحول، بخيالنا، إلى كنز أو سيارة أو ملعب أو سلاح في معركة وهمية. كنا نختلف أولًا على اللعبة التي سنلعبها، ثم نخترع قوانينها، ثم نختلف على القوانين، ثم نتصالح لأن اللعبة أهم من الخلاف، وكان من لا يعرف لعبة يقترح أخرى، ومن يخسر يضحك، ومن يفوز لا يملك أن يفسد متعة الآخرين، وكنا نتعلم، من حيث لا ندري، أن الحياة نفسها تحتاج إلى قواعد يتفق عليها الناس، وأن الفريق لا ينجح إذا أراد كل فرد أن يكون البطل وحده.

كانت ألعابنا تصنع روح الفريق قبل أن نعرف المصطلح، وكان اللعب يعلمنا التفاوض والقيادة وقبول الخسارة والاحتفال بالفوز، ويعلمنا أن المهارة الفردية لا تكفي إذا لم تعرف كيف تلعب مع الآخرين. وكانت الدعابة جزءًا أصيلًا من ذلك العالم؛ نضحك على بعضنا دون أن نكسر بعضنا، ونصنع المقالب البريئة، ونخترع أسماءً وحكايات ومواقف، وكان الضحك نفسه مساحة لتفريغ القلق وتخفيف صعوبة الحياة، وكأننا كنا نعرف بالفطرة أن الإنسان يحتاج إلى أن يضحك حتى يستطيع أن يحتمل العالم.

ولم تكن الألعاب مجرد تسلية، كما لم تكن الطبلية مجرد مكان للطعام؛ كان الاثنان معًا جزءًا من تكوين الإنسان. فالطفل الذي يلعب مع أقرانه يتعلم كيف يخسر دون أن ينهار، وكيف يفوز دون أن يتكبر، وكيف يطلب دوره، وكيف ينتظر، وكيف يدافع عن رأيه، وكيف يقبل رأيًا آخر، وكيف يبتكر حين لا يجد شيئًا جاهزًا أمامه. ولذلك ربما كان الاختراع البسيط للعبة جديدة أكثر أهمية من اللعبة نفسها، لأنه كان يعلمنا أن العالم ليس شيئًا مفروضًا علينا بالكامل، وأن الإنسان يستطيع أن يصنع من القليل شيئًا جميلًا إذا امتلك الخيال والرغبة في المشاركة.

وهذا يقودني إلى جيل السبعينات، ذلك الجيل الذي لا أراه جيلًا مثاليًا بلا أخطاء، لكنه كان ابن بيئة مختلفة؛ بيئة كانت القيم فيها تُمارس أكثر مما تُقال، وكان التعليم أكبر من الشهادة، وكان المعلم صاحب رسالة وهيبة، وكان الكتاب نافذة حقيقية على العالم، وكانت الأسرة والشارع والمدرسة والحارة تشترك، بدرجات مختلفة، في صناعة شخصية الطفل. كنا نتعلم الأدب من طريقة حديث الكبار، والكرم من تقسيم الطعام، والمسؤولية من تكليفنا بأشياء صغيرة، والشجاعة من اللعب، والانتماء من الجيران، والرحمة من الأسرة، والقدوة من أشخاص حقيقيين نراهم كل يوم، لا من شخصيات تظهر على شاشة وتختفي بضغطة زر.

ثم جاءت الشاشة السمارت، ولم تكن المشكلة في الشاشة ذاتها؛ فالتكنولوجيا ليست عدوًا، والعصر الجديد يحمل من المعرفة والفرص ما لم يكن متاحًا لنا. لكن المفارقة أن الشاشة التي تستطيع أن تصل بنا إلى العالم كله قد تجعلنا أحيانًا عاجزين عن الوصول إلى أقرب الناس إلينا. صار أفراد الأسرة يجلسون في المكان نفسه، لكن كل واحد يعيش داخل شاشة مختلفة، وأصبحت اللعبة جاهزة، والقواعد جاهزة، والصورة جاهزة، والمعلومة جاهزة، وحتى الضحكة أحيانًا جاهزة، بينما تراجع ذلك النوع من الخيال الذي كان يدفعنا إلى أن نخترع نحن اللعبة ونضع قوانينها ونبني عالمها.

وهنا لا ينبغي أن نسأل فقط: ماذا حدث للمجتمع؟ بل علينا أن نسأل سؤالًا أكثر عمقًا: ماذا حدث للإنسان الذي يصنع المجتمع؟ فالمجتمع لا يفسد دفعة واحدة، وإنما يتغير حين تتحول الواسطة إلى فهلوة، والكذب إلى شطارة، والبلطجة إلى قوة، والقراءة إلى تضييع للوقت، والاحترام إلى ضعف، وحين يصبح الإنسان مشغولًا بما يملكه أكثر من انشغاله بما هو عليه. والخلل في هذه الحالة لا يبدأ في الشارع، وإنما يبدأ قبل ذلك بكثير، في التربية، وفي البيت، وفي القدوة، وفي الأشياء الصغيرة التي يراها الطفل ويكررها حتى تصبح جزءًا من شخصيته.

فالطفل لا يتعلم الأخلاق من النصائح بقدر ما يتعلمها من النموذج الذي أمامه؛ فإذا قلت له كن أمينًا ورآك تكذب، تعلم الكذب، وإذا قلت له احترم الناس ورآك تحتقر العامل أو الفقير، تعلم أن الاحترام له ثمن، وإذا حدثته عن القراءة بينما لا يرى كتابًا في البيت، فلن يصدق أن المعرفة قيمة حقيقية. نحن لا نربي أبناءنا بما نقوله لهم فقط، وإنما بما نفعله أمامهم، لأن الأطفال لا يقرأون كتب الأخلاق بقدر ما يقرأوننا نحن.

ولهذا فإن الحنين إلى الماضي، إذا كان له معنى، لا ينبغي أن يكون دعوة للعودة إلى الوراء، وإنما دعوة لاستعادة ما فقدناه ونحن نتقدم إلى الأمام: أن نستعيد اللمة دون أن نرفض التكنولوجيا، والكتاب دون أن نخاف الشاشة، وروح الفريق دون أن نلغي الفرد، والقدوة دون أن نصنع أصنامًا، والبساطة دون أن نرفض التطور، واللعب الحقيقي دون أن نحرم أبناءنا من ألعاب العصر.

ربما لا نحتاج إلى إعادة الطبلية الخشبية إلى بيوتنا، وإنما نحتاج إلى أن نعيد ما كانت تصنعه فينا؛ نحتاج إلى مائدة تجلس حولها الأسرة فعلًا، وإلى وقت يتكلم فيه الأب مع ابنه دون أن تنافسه شاشة، وإلى طفل يخرج ليلعب مع أقرانه، ويختلف معهم ثم يتصالح، ويخترع لعبة من لا شيء، ويضحك من قلبه، ويعرف أن الفوز ليس كل شيء، وأن الفريق الذي يلعب فيه أهم من البطل الذي يريد أن يكونه وحده.

لقد تغيرت الأدوات، لكن السؤال الإنساني القديم ما زال قائمًا: أي إنسان نريد أن نصنع؟ فإذا كانت الطبلية قديمًا تجمعنا حول الطعام، والشاشة اليوم تجمعنا حول العالم، فإن مهمتنا أن نعرف كيف نستخدم العالم دون أن نفقد بعضنا البعض.

سأحتفل بعامي الواحد والخمسين إذن، لا لأنني أريد أن أقول إن زماننا كان أفضل، وإنما لأنني محظوظ أنني عشت الزمنين؛ عرفت طبلية تجمعنا، ولحقت شاشة تجمع العالم، وعرفت ألعابًا كنا نخترعها بأيدينا، وألعابًا تأتي كاملة إلينا، وعرفت ضحكة خرجت من قلب مجموعة من الأطفال في شارع صغير، وضحكات لا تحتاج اليوم إلا إلى زر. وبين الزمنين أدركت أن أجمل ما كان لدينا لم يكن الطبلية ولا اللعبة ولا الشارع، وإنما الإنسان الذي كان يجلس حولها، ويخترع، ويشارك، ويضحك، ويختلف، ويتصالح، ويعرف أن الحياة، مهما تغيرت شاشاتها، لا تستقيم إلا إذا ظل لنا مكان حول مائدة واحدة.

شارك المقال

recommendمقالات ذات صلة