ملف استقصائي | من التصنيع إلى التكنولوجيا: قراءة في أبعاد الشراكة المصرية الصينية الجديدة (2-4)
أربع حلقات في السياسة والتجارة والصناعة والتكنولوجيا
الحلقة الثانية: أرقام التجارة: من اختلال الميزان إلى فرص إعادة التوازن
ملف استقصائي إعداد د. محمد غالي :
تشكل الأرقام التجارية العمود الفقري لأي قراءة موضوعية لعلاقة اقتصادية بين دولتين، ومصر والصين ليستا استثناءً. فبحسب بيانات وزارة التجارة الصينية، بلغ حجم التبادل التجاري بين البلدين رقمًا قياسيًا تاريخيًا عند 20.79 مليار دولار في عام 2025، فيما واصل النمو في الأشهر السبعة الأولى من عام 2026 ليصل إلى 13.75 مليار دولار، بزيادة قدرها 23.2 بالمئة مقارنة بالفترة ذاتها من العام السابق. وتُبقي هذه الأرقام الصين شريكًا تجاريًا أول لمصر للعام الرابع عشر على التوالي.
لكن خلف هذه الأرقام المبهرة تكمن حقيقة أكثر تعقيدًا: فالميزان التجاري بين البلدين لا يزال يميل بوضوح لصالح بكين، إذ تشير بيانات مختلفة إلى أن الصادرات الصينية إلى مصر تقترب من عشرين مليار دولار سنويًا، بينما لا تتجاوز الصادرات المصرية إلى الصين نحو 800 إلى 900 مليون دولار، رغم أنها في تسارع لافت. فقد ارتفعت الصادرات المصرية إلى الصين بنسبة قاربت 42 بالمئة خلال عام 2025 مقارنة بالعام السابق، فيما سجلت زيادة تفوق 199 بالمئة في النصف الأول من عام 2026 وفق بيانات جهاز الإحصاء الرسمي.
الإعفاءات الجمركية.. نافذة نحو مليار ونصف المليار مستهلك
النقطة الأكثر تأثيرًا في هذا المسار، بحسب متابعين للملف، هي القرار الصيني الذي دخل حيز التنفيذ في مايو 2026، والقاضي بمنح إعفاءات جمركية كاملة، دون سقف أو شروط سياسية، لمنتجات 53 دولة أفريقية من بينها مصر. ويرى الدكتور دينج لونج أن هذا القرار انعكس فورًا على الأرقام، إذ قفزت صادرات مصر إلى الصين بنسبة 117 بالمئة في فبراير 2026 مقارنة بالشهر ذاته من العام السابق، قبل أن يتسارع هذا النمو أكثر مع دخول الإعفاءات حيز التنفيذ فعليًا.
وتبرز في هذا السياق المنتجات الزراعية كأحد أبرز الروافد الواعدة للصادرات المصرية؛ فقد قفزت واردات الصين من المنتجات الزراعية المصرية بنسبة تجاوزت 82 بالمئة في الأشهر السبعة الأولى من 2026، لتشكل ما يقرب من 42 بالمئة من إجمالي الواردات الصينية من مصر. وباتت مصر أكبر مصدر للفراولة المجمدة إلى السوق الصينية، وثالث أكبر مصدر للكتان، فيما شكلت صادرات البرتقال المصري إلى الصين وحدها نحو 26 مليون دولار خلال عام 2025، وسط إقبال متزايد من المستهلك الصيني على جودة المنتج المصري.
الإعفاءات الجمركية لا تضمن النجاح بمفردها، فجودة المنتج واستقرار الإمداد والتسويق المحلي داخل السوق الصينية ستظل عوامل حاسمة أمام الشركات المصرية الراغبة في التوسع
— تحليل اقتصادي متداول حول أثر الإعفاءات على الصادرات المصرية
الاستثمار: من مئات الملايين إلى مليارات الدولارات
لم تقتصر الطفرة على التجارة السلعية، بل امتدت إلى تدفقات الاستثمار المباشر. فقد أكد رئيس الوزراء مصطفى مدبولي أن الاستثمارات الصينية التراكمية في مصر تجاوزت 10 مليارات دولار، تتوزع على قطاعات البناء والنسيج والإلكترونيات والطاقة والنقل والصناعة التحويلية. وبحسب الكاتب الاقتصادي أحمد دحشان، رئيس تحرير مركز الدراسات العربية الأوروبية، فإن الاستثمار الصيني في مصر بلغ نحو 12 مليار دولار بنهاية 2025، مع توقعات بأن يصل إلى 15 مليار دولار بحلول نهاية 2026، فيما يعمل ما يقارب 3366 شركة صينية داخل السوق المصرية في قطاعات حيوية تشمل النسيج والألواح الشمسية والكيماويات وتصنيع السيارات واللوجستيات.
ويشير دحشان إلى أن جوهر الشراكة يقوم على منفعة متبادلة واضحة المعالم: مصر توفر للصين بوابة استراتيجية نحو العالم العربي وأفريقيا عبر قناة السويس، بينما تحصل القاهرة في المقابل على استثمارات وتكنولوجيا وفرص تصنيع تخدم أهداف التنمية المحلية. ويرى أن قياس نجاح هذه الشراكة يجب ألا يقتصر على حجم الأموال المتدفقة، بل يمتد إلى نوعية الصناعات والمعرفة وفرص العمل التي تخلقها فعليًا على الأرض.
قراءة متفائلة بعيون واقعية
رغم استمرار اختلال الميزان التجاري، فإن مؤشرات الأشهر الأخيرة تكشف اتجاهًا تصحيحيًا واضحًا يستحق المتابعة: نمو متسارع للصادرات الزراعية والصناعية المصرية، وتوقيع مصر لعشرات العقود التصديرية الجديدة مع مشترين صينيين بقيمة تفوق 168 مليون دولار في أغسطس 2026 وحده، إلى جانب توجه رسمي مصري واضح نحو الاستفادة القصوى من نافذة الإعفاءات الجمركية. وإذا استمر هذا الزخم، فإن مصر تقترب تدريجيًا من هدفها المعلن بالوصول إلى صادرات إجمالية بقيمة 145 مليار دولار بحلول عام 2030، بما يجعل السوق الصينية أحد أهم الروافد نحو تحقيق هذا الهدف الطموح.
اقرأ أيضاً:
- «إسكان النواب»: المشروعات المصرية الصينية تعزز التنمية العمرانية وتوطين التكنولوجيا ونقل الخبرات
- “زراعة النواب”: القمة المصرية الصينية تُعزز الأمن المائي والغذائي وتفتح آفاقاً جديدة للتعاون الزراعي والتكنولوجي
- رئيس لجنة المشروعات بالنواب: مخرجات القمة المصرية الصينية تؤسس لمرحلة جديدة من الشراكة الاقتصادية والتنموية
- وكيل اتصالات النواب: الشراكة المصرية الصينية تفتح الباب أمام توطين الصناعات التكنولوجية وتعزيز الاقتصاد الرقمي
- منتدى الأعمال المصري–البوركيني يبحث تعزيز الشراكة الاقتصادية
ما رأيك في هذا الخبر؟