انتهى معرض القاهرة للكتاب، وبعد 57 عامًا من انطلاقه، يبقى السؤال: هل ذهبنا لنقرأ المجتمع، أم ليقرأنا المجتمع؟
.. المعرض ليس مجرد سوق للكتب أو احتفال سنوي بالقراءة، بل حدث مركب تتقاطع فيه الثقافة مع السياسة، الاقتصاد مع الذوق العام، والدولة مع الفرد. وكل ما يُكتب عنه — من حفاوة وحنين، أو نقد وسخرية، أو غضب وخيبة — هو حديث غير مباشر عن المجتمع نفسه: ما الذي يقرأه؟ ولماذا؟ ولمن تُنتج الثقافة؟
المعرض كطقس اجتماعي
في القاهرة، كما في المكسيك، يتحول المعرض إلى طقس يتجاوز القراءة، حيث تختلط الكتب بالنقاش والموسيقى والفعاليات العامة، ليصبح مساحة حياة لا مجرد رفوف. لكن رغم ضخامة الحدث، يظل واقع القاهرة بعد 57 عامًا يشير إلى ضعف مشاركة الجمهور الحقيقية، في ظل سيطرة السوق والترويج الإعلامي على المحتوى.
من الاحتفال إلى الصناعة… ثم الرقمنة
في فرانكفورت ولندن، المعارض منصات لإدارة المعرفة كصناعة: حقوق نشر، ترجمة، وسياسات ثقافية. اليوم، التحدي الأكبر هو الرقمنة: الكتاب الصوتي، أدوات الذكاء الاصطناعي، المنصات التفاعلية الجديدة. الكتاب لم يعد مجرد ذكرى أو واجب رمزي، بل قوة إنتاج متجددة. والسؤال: هل نقرأ المجتمع في تحوله نحو الصناعة، أم يقرأنا هو في عطشنا السريع للتكنولوجيا؟
التريند والتوازن
بعد كل معرض، تتكرر الأسئلة: هل فقد المعرض دوره التنويري؟ لماذا تطغى كتب التريند؟ التجارب الناجحة مثل الشارقة تقول إن الحل ليس المنع، بل التوازن: الجمع بين الكتب الجماهيرية، وبين دعم الترجمة وبرامج الأطفال الطويلة الأمد. السوق وسيلة لتمويل القيمة، لا بديل عنها. القاهرة لا تزال في رحلة البحث عن هذا التوازن.
مركزية العاصمة و«أنسنة» التجربة
مركزية العاصمة واضحة: الحدث ضخم لكنه محصور جغرافيًا. التجارب الناجحة عالميًا — تونس، الشارقة، أبوظبي — استخدمت نسخ مصغرة تجوب المحافظات، وتوفر تجربة ثقافية أكثر إنسانية، بعيدًا عن الزحام. الورش التفاعلية، أنشطة الأطفال، والقوافل الثقافية تحول المعرض إلى اقتصاد بهجة، وليس مجرد رحلة شراء.
الجمهور… من مستهلك إلى شريك
معظم ما يُكتب عن المعارض يتحدث عن الجمهور لا معه. القارئ — الأم، الشاب، الباحث عن هويته — هو الحلقة الأهم. التجارب العالمية تعاملت مع الجمهور كشريك في صناعة الثقافة، القاهرة بعد 57 عامًا ما زالت بحاجة لهذه القفزة: من مجرد زائر إلى شريك حقيقي في صناعة الثقافة.
التجارب العالمية: دروس مستفادة
الشارقة الدولي للكتاب: 2350 ناشرًا من 118 دولة، برامج للأطفال، ورش عمل، بودكاست، وندوات مهنية. التركيز على بناء مجتمع معرفي مستدام.
أبوظبي الدولي للكتاب: شعار “مجتمع المعرفة.. معرفة المجتمع”، فعاليات متنوعة بين الرواية والمسرح والسينما وورش الترجمة.
تونس الدولي للكتاب: شعار “نقرأ لنبني”، قوافل ثقافية للأقاليم لتجاوز مركزية العاصمة.
فرانكفورت ولندن: منصات عالمية لحقوق النشر والترجمة، تربط الكتاب بالاقتصاد الثقافي والسياسة والإبداع.
.. وهنا التحدي الأكبر لمعرض القاهرة هو الانتقال من وهم المشاركة الثقافية إلى مشاركة حقيقية. قيمته ليست في المخزون الورقي أو عدد الحقائب المباعة، بل في قدرته على ترك سؤال مفتوح في ذهن الزائر، وإحداث أثر ثقافي واجتماعي مستدام. المعرض الحقيقي هو رئة يتنفس منها المجتمع حرية السؤال قبل متعة الجواب، ويعيد ترتيب عقولنا وملء فجوات أرواحنا، بعيدًا عن الزحام والتجميل الإعلامي.