في واحدة من أكثر التناقضات القانونية والاجتماعية حدّة، تجد آلاف السيدات المطلقات والأرامل أنفسهن أمام معادلة قاسية:
إمّا العمل وتحمل أعباء الحياة بكرامة،
أو التنازل عن معاش الأب، وكأن السعي الشريف للرزق خطيئة تستوجب العقاب.
المفارقة أن هذا المعاش ليس منحة من الدولة، ولا إعانة اجتماعية مشروطة، بل حق مالي أصيل نشأ عن اشتراكات تأمينية سددها الأب من ماله الخاص طوال سنوات خدمته، بهدف تأمين أسرته بعد وفاته. ورغم ذلك، يُمارَس على هذا الحق نوع من “العقاب الإداري” غير المنصوص عليه تشريعياً، لمجرد أن الابنة تعمل أو تحاول الاستقلال اقتصاديًا.
الدستور… حين يُساء فهمه
الدستور المصري واضح في انحيازه للعمل والعدالة الاجتماعية.
المادة (11) تلزم الدولة بتمكين المرأة، لا بمعاقبتها.
والمادة (17) تجعل التأمين الاجتماعي حقًا يضمن حياة كريمة.
أما المادة (33) فتحمي الملكية الخاصة، ومن ضمنها الحقوق المالية الناشئة عن الاشتراكات التأمينية.
ولا يوجد في أي من هذه المواد ما يربط بين استحقاق المعاش وامتناع المرأة عن العمل، أو يجعل العمل قرينة غنى تُسقط الحقوق.
القانون… والنص الذي لا يقول ما يُنسب إليه
قانون التأمينات الاجتماعية والمعاشات رقم 148 لسنة 2019 لا يتضمن نصًا صريحًا يمنع الجمع بين معاش الأب ودخل العمل للمرأة المطلقة أو الأرملة.
المادة (102) أجازت الجمع “في حدود”، لكنها لم تضع حظرًا مطلقًا، وتركت التفاصيل للوائح التنفيذية، وهو ما فتح الباب لاجتهادات إدارية ضيقة، تحولت عمليًا إلى أداة إقصاء.
واللافت أن نفس المنظومة التشريعية أقرت، في قانون حقوق الأشخاص ذوي الإعاقة رقم 10 لسنة 2018، حق الجمع الكامل بين العمل والمعاش دون قيود، باعتبار أن العمل لا يُسقط الاستحقاق، بل يعزز الاندماج والكرامة الإنسانية.
فإذا كان العمل لا يُسقط حق شخص من ذوي الإعاقة في المعاش، فلماذا يُسقط حق امرأة مطلقة أو أرملة؟
عدالة غائبة ومنطق معكوس
المنطق الحالي يُنتج وضعًا عبثيًا:
امرأة تعمل تُحرم من المعاش.
وامرأة بلا عمل تُكافأ بالاستحقاق.
كأن الرسالة الضمنية تقول:
“ابقِ في دائرة الاحتياج… لتستحقي الدعم.”
وهذا مناقض تمامًا لفلسفة الدولة التي تعلن، في كل استراتيجياتها، أن تمكين المرأة اقتصاديًا هو أحد أعمدة التنمية المستدامة.
المعاش ليس بديلاً عن العمل… بل سندًا إنسانيًا
في ظل الظروف الاقتصادية الراهنة، لا يكفي المعاش — إن وُجد — لتأمين الحد الأدنى من الحياة الكريمة.
والجمع بينه وبين الدخل من العمل ليس ترفًا، بل ضرورة واقعية، خصوصًا لسيدات يتحملن إعالة أبناء أو أسر كاملة بعد غياب الأب والسند.
والأخطر أن اشتراط “عدم الزواج” أو “عدم العمل” يفترض ضمنيًا أن دور الأب ينتهي بزواج ابنته، وهو افتراض اجتماعي متهافت لا سند له لا قانونًا ولا واقعًا.
الخلاصة: المشكلة ليست في النص… بل في التطبيق
نحن أمام حالة واضحة من:
تفسير إداري متشدد
لا يستند إلى نص صريح
ويتعارض مع روح الدستور
ويقوض مبدأ العدالة الاجتماعية
والحل لا يحتاج ثورة تشريعية، بل تصحيح مسار:
بتعديل صريح يقر حق الجمع للمطلقات والأرامل
أو بكتاب دوري يوقف هذا التعسف مؤقتًا
أو بقراءة دستورية منصفة للنصوص القائمة
العمل شرف… وليس سببًا لفقدان الحقوق
تمكين المرأة لا يكون بالشعارات، بل بإزالة العقوبات المقنّعة التي تُفرض عليها حين تختار أن تعمل، وتتحمل مسؤولية نفسها وأسرتها.
فالأب الذي دفع اشتراكاته لم يفعل ذلك ليُعاقَب بناته بعد رحيله،
والدولة التي ترفع راية العدالة لا يجوز أن تُدار بمنطق “إما هذا… أو ذاك”.
المرأة المصرية لا تطلب امتيازًا،
بل تطالب بحق… تأخر كثيرًا.