يا أُولي الأمر... التعليم هو الحل
بناء الإنسان المصري وتسليحه بالعلم المتميز أصبح ضرورة حتمية لا تحتمل التأجيل أو التأخير أو العلاج بالمسكنات، ويجب أن يُصبح الأولوية الأولى لدينا، ففي الوقت الذي تتسابق فيه دول العالم نحو التقدم العلمي والتكنولوجي، وتضع التعليم في مقدمة أولوياتها باعتباره الاستثمار الحقيقي والأكثر ضمانًا لمستقبل مشرق، واعتباره صناعة للإنسان وبناء للعقل والوجدان والقدرة على التفكير والإبداع، لا تزال العملية التعليمية في مصر في حالة لا تُرثى لها، وتعاني من أزمات متراكمة، بعضها قديم وبعضها جديد، وإذا أردنا لمصر أن تتقدم وتنافس في عالم يتغير كل يوم، فعلينا أن نبدأ من المدرسة، فمشكلة العملية التعليمية في مصر تبدأ من المدرسة نفسها، فهناك حاجة حقيقية إلى التوسع في إنشاء المدارس بما يتناسب مع الزيادة السكانية وأعداد الطلاب، حتى لا تظل الكثافات المرتفعة داخل الفصول عائقًا أمام عملية التعلم. فالمدرس الذي يقف أمام عشرات الطلاب في فصل مكتظ لن يستطيع أن يمنح كل طالب حقه في الشرح والمتابعة واكتشاف قدراته.
ويجب أن تستعيد المدرسة هيبتها ودورها، وأن يكون هناك ضبط وربط حقيقي داخل المدارس، مع تفعيل الحضور والغياب، ومحاسبة المقصر، وفي الوقت نفسه توفير بيئة تعليمية جاذبة تجعل الطالب يرغب في الذهاب إلى مدرسته وأن يكون سعيدًا وهو ذاهب إليها، وهنا يأتي دور الأنشطة المدرسية التي اختفت أو تراجعت في غالبية مدارسنا، مثل الرياضة والموسيقى والمسرح والفنون والرحلات والمسابقات، وهذه الأنشطة ليست رفاهية، وإنما جزء أساسي من بناء شخصية الطالب. فالطالب الذي يجد في مدرسته ملعبًا ومسرحًا ومكتبة ومعملًا وأنشطة مختلفة، سيجد سببًا آخر لحب المدرسة والانتماء إليها.
ثم يأتي العنصر الأهم في العملية التعليمية: ألا وهو المُعلم، فمن الصعب أن نطالب المُعلم بأن يؤدي رسالته على أكمل وجه، في الوقت الذي يعاني فيه من ضغوط اقتصادية كبيرة نتيجة حصوله على مرتب لا يكفي أدنى احتياجاته الأساسية، الأمر الذي دفع غالبيتهم إلى عدم بذل الجهد الكبير في المدرسة، والاتجاه نحو إعطاء الدروس الخصوصية كمصدر إضافي للدخل. وهو ما يُثقل كاهل الأسرة المصرية، التي تجد نفسها مطالبة بدفع مبالغ كبيرة ليحصل أبناؤها على تعليم يفترض أن توفره المدرسة. ولا يمكن مواجهة ظاهرة الدروس الخصوصية بالشعارات أو بالعقوبات للمدرسين، وإنما من خلال معالجة أسبابها، وفي مقدمتها تحسين أوضاع المعلمين، وتطوير المدرسة، وضمان حصول الطالب داخلها على تعليم حقيقي يجعله أقل احتياجًا إلى الدروس الخصوصية كما كان يحدث في أزمنة ماضية.
وفي الوقت نفسه، لا بد من مواجهة العجز الرهيب في أعداد المُعلمين، فالفصول لا تُدار بالكتب والأجهزة، وإنما تحتاج إلى مُعلم مؤهل يمتلك العلم والأدوات والقدرة على التواصل مع طلابه. وهذه المأساة يجب أن توضع لها الحلول السريعة، إلى جانب التدريب المستمر ورفع كفاءة المعلم مهنيًا وتكنولوجيًا.
كذلك، فإن المناهج التعليمية تحتاج إلى مراجعة جادة. فالعالم لم يعد كما كان، وسوق العمل تغير بصورة هائلة، والتكنولوجيا والذكاء الاصطناعي يفرضان مهارات جديدة كل يوم. ولذلك لا يجوز أن يظل الطالب أسيرًا للحفظ والتلقين، بينما العالم من حوله يتحرك نحو التفكير النقدي، وحل المشكلات، والابتكار، والبرمجة، والمهارات الرقمية.
والأهم من ذلك كله أن نعيد اكتشاف المتفوقين والموهوبين منذ الصغر. فالتعليم الجيد لا ينتج طالبًا يحفظ الدرس فقط، وإنما يكشف موهبة قد تصبح عالمًا أو طبيبًا أو مهندسًا أو مبرمجًا أو فنانًا أو رياضيًا أو مخترعًا. وربما يكون داخل أحد الفصول اليوم طفل يمتلك موهبة قادرة على تغيير مستقبل الوطن بأكمله، لكننا لن نكتشفه إذا ظل نظامنا التعليمي قائمًا على معيار واحد للنجاح.
ولا ينبغي أن نتعامل مع التعليم الأساسي والتعليم الجامعي باعتبارهما مرحلتين منفصلتين. نحن بحاجة إلى رؤية متكاملة تبدأ من رياض الأطفال وتمتد حتى الجامعة، بحيث يحدد التعليم الأساسي إلى أين يتجه الطالب، وتعرف الجامعات ما يحتاجه المجتمع وسوق العمل من تخصصات ومهارات.
فالجامعة لا ينبغي أن تكون محطة للحصول على شهادة فقط، ثم يكتشف الشاب بعدها أنه لا يجد مكانًا له في سوق العمل. فالتعليم الجامعي يجب أن يرتبط ارتباطًا وثيقًا باحتياجات السوق المحلي والعالمي، وأن تتوسع الجامعات في التدريب العملي والشراكات مع المؤسسات والشركات، وأن يحصل الطالب على مهارات حقيقية تمكنه من المنافسة والعمل والإنتاج.
لقد أصبح من غير المقبول أن يكون الهدف النهائي من رحلة الطالب التعليمية هو الحصول على شهادة لا تُغني ولا تُسمن من جوع. الشهادة مهمة، لكنها ليست الهدف الوحيد؛ فالهدف الحقيقي هو بناء إنسان يمتلك المعرفة والمهارة والقدرة على التفكير والعمل والإبداع.
مصر لا ينقصها الموهوبون، ولا تفتقر إلى العقول القادرة على الإنجاز، ولكنها تحتاج إلى منظومة تعليمية تمنح هذه العقول الفرصة لكي تظهر وتبدع، والدليل على ذلك النجاحات الكبيرة التي تحققها العقول المصرية في الخارج عندما توفرت لهم البيئة الصالحة للإبداع.
وفي رأيي أن ما تحتاجه مصر اليوم ليس مجرد تغيير كتاب أو إضافة مادة أو تعديل نظام امتحان، وإنما تحتاج لرؤية شاملة لإصلاح التعليم، تقوم على مدرسة جاذبة، ومعلم يعيش حياة كريمة ومؤهل ومُدرب، ومناهج عصرية، وأنشطة حقيقية، وانضباط داخل المدارس، وربط قوي بين التعليم وسوق العمل والتكنولوجيا.
إن نهضة الأمم لم تبدأ من المصانع والطرق والمباني، وإنما بدأت من بناء الإنسان. والإنسان لا يُبنى إلا بتعليم جيد ومتميز.
ولهذا فإن الاستثمار في التعليم ليس إنفاقًا يمكن تأجيله، وإنما هو الاستثمار الحقيقي الذي يحدد شكل ومستقبل الوطن. وإذا أردنا إنتاج أجيال قوية، وابتكارًا حقيقيًا، واقتصادًا قادرًا على المنافسة، ومجتمعًا أكثر وعيًا وقدرة على مواجهة المستقبل، فعلينا أن نبدأ من حيث يبدأ كل شيء، من التعليم، نعم، لدينا أزمات كثيرة، وملفات عديدة تحتاج إلى إصلاح، لكن يبقى التعليم هو المفتاح الحقيقي لكل إصلاح.
اقرأ أيضاً:
- التعليم العالي : السبت.. بدء تسجيل رغبات طلاب المرحلة الثالثة بتنسيق القبول بالجامعات الحكومية والمعاهد بحد أدنى 50% للنظامين الحديث والقديم
- التكنولوجيا الحديثة في خدمة التعليم.. رسالة دكتوراه بجامعة قنا تقدم نموذجًا لتطوير أداء المعلمين
- ظهرت الآن.. رابط نتيجة الدبلومات الفنية الدور الثاني 2026 برقم الجلوس
- وزير التعليم يوجه برفع جاهزية المدارس قبل العام الدراسي الجديد.. وتجديد نصف مليون مقعد
- وكيل تشريعية الشيوخ يطالب بادراج مادة التربية الرقمية بمناهج العام الدراسي الجديد