حفيداها ضحايا «الغل والانتقام».. القصة الكاملة لاتهام جدة بقتلهما بالكلور في الجيزة
كتبت-آية غنيم
مأساة لا تُمحى
في بعض البيوت، تبدأ الخلافات بكلمة عابرة، أو غضب مكتوم، أو جرح قديم لا يجد طريقه إلى الصلح، لكن الأخطر أن يتحول هذا الغضب، حين يفقد الإنسان قدرته على السيطرة عليه، إلى أذى يطول من لا ذنب لهم.
الأطفال في العادة يكونون أبعد ما يكون عن صراعات الكبار، وجوه صغيرة لا تعرف شيئا عن الخلافات، ولا تفهم لماذا يحمل أحدهم غضبًا تجاه آخر، لكن مأساة الطفلين «رحيم» و«رحمة» في قرية الأخصاص بمركز الصف في الجيزة، أعادت طرح السؤال الأصعب: ماذا يحدث حين تصبح الخلافات الأسرية أقسى من رابطة الدم نفسها؟
حكاية بدأت بطفل رضيع أصيب بوعكة صحية مفاجئة، ورواية أولى تحدثت عن لدغة ثعبان، قبل أن تكشف الفحوصات الطبية عن تفاصيل أخرى قادت التحقيقات إلى شبهة جنائية. وبعدها ظهر أن شقيقته الصغيرة كانت قد تعرضت لواقعة مشابهة، لتبدأ رحلة من العلاج والألم انتهت بوفاتها.
ومع تحرك جهات التحقيق، لم تأتِ المفاجأة فقط من طبيعة الإصابات، وإنما من هوية المتهمات، بعدما وجهت النيابة الاتهام إلى ثلاث نساء من دائرة الأسرة، بينهن جدة الطفلين، على خلفية خلافات مع والدتهما.
بداية القصة
بدأت تفاصيل الواقعة داخل قرية الأخصاص بمركز الصف، عندما تعرض الرضيع «رحيم» لحالة صحية مفاجئة استدعت نقله إلى المستشفى.
وفي بداية الأمر، جرى تداول رواية تفيد بأن الطفل تعرض للدغة ثعبان، في محاولة لتفسير حالته الصحية والإصابات التي ظهرت عليه.
لكن مع وصول الطفل إلى المستشفى وإجراء الفحوصات الطبية، بدأت علامات أخرى في الظهور، بعدما كشفت الفحوصات عن إصابات وثقوب بجسده، وهو ما أثار الشكوك حول حقيقة ما تعرض له الرضيع.
الفحوصات تكشف مفاجأة
لم تعد رواية لدغة الثعبان وحدها كافية لتفسير حالة «رحيم»، إذ أظهرت الفحوصات الطبية مؤشرات دفعت إلى التعامل مع الواقعة باعتبارها شبهة جنائية.
وبحسب ما ورد في أوراق القضية، كشفت التحقيقات عن تعرض الطفل للحقن بمادة الكلور، ليفارق حياته متأثرًا بالإصابات والتسمم.
لكن رحيل «رحيم» لم يكن بداية المأساة، بل جاء بعد واقعة أخرى سبقت وفاته بأشهر، وطالت شقيقته الصغيرة «رحمة».
«رحمة».. الضحية التي سبقت شقيقها
قبل واقعة الرضيع «رحيم»، كانت شقيقته الصغيرة «رحمة» قد تعرضت، بحسب التحقيقات وأوراق القضية، لواقعة مشابهة.
تدهورت الحالة الصحية للطفلة بشكل شديد، ونقلت إلى المستشفى، حيث خضعت للعلاج والعمليات، ودخلت في رحلة طويلة لمقاومة مضاعفات التسمم والمواد الكاوية.
وبعد نحو شهرين من العلاج والمعاناة، انتهت حياة «رحمة» في مايو الماضي، لتترك وفاتها علامات استفهام أكبر حول ما تعرضت له، خاصة مع ظهور واقعة شقيقها لاحقًا.
خيوط القضية تقود إلى داخل الأسرة
مع تتابع الأحداث، لم تتجه التحقيقات بعيدًا عن الأسرة، بل بدأت خيوط القضية تقود إلى دائرة أقرب مما يمكن تخيله.
وبحسب أمر الإحالة، وجهت النيابة الاتهام إلى ثلاث نساء من أقارب الطفلين، وهن الجدة «وفاء»، وشقيقتها «فاطمة»، وعمة الطفلين «منار».
وتضمن أمر الإحالة اتهامات للمتهمات بالاتفاق على تنفيذ مخطط ضد الطفلين، على خلفية خلافات أسرية مرتبطة بوالدتهما.
كيف نُفذت الواقعة؟
وفقًا لما جاء في أوراق القضية، اتفقت المتهمات - بحسب الاتهام - على إعداد مادة الكلور داخل محاقن طبية، واستخدامها في الاعتداء على الطفلين.
واتهمت النيابة المتهمات بتنفيذ الاعتداء على الطفلة «رحمة» أولًا، قبل أن يتكرر الأمر مع شقيقها «رحيم» عقب ولادته.
وتبقى هذه الوقائع في إطار الاتهامات التي تنظرها المحكمة، دون اعتبارها أحكامًا نهائية بحق المتهمات.
«الغيظ والغل».. التحقيقات تبحث عن الدافع
لم تتوقف التحقيقات عند كيفية وقوع الاعتداء، وإنما امتدت إلى البحث عن الدافع وراء الواقعة.
وبحسب ما ورد في التحقيقات المنشورة، كانت هناك خلافات حادة داخل الأسرة، واتهمت النيابة المتهمات بأن هدفهن كان الانتقام من والدة الطفلين والنيل منها.
كما تضمنت أقوالًا منسوبة إلى الجدة أمام جهات التحقيق إقرارًا بتنفيذ الواقعة بدافع الغيظ والغل من زوجة ابنها، وفق ما ورد بأوراق القضية.
رواية «لدغة الثعبان» تثير علامات الاستفهام
في بداية الأحداث، ظهرت داخل الأسرة رواية تتحدث عن تعرض الطفلين للدغات ثعابين، وهي الرواية التي كان يُعتقد أنها تفسر حالتيهما الصحية.
لكن مع الفحوصات الطبية والتحريات، ظهرت مؤشرات أخرى دفعت جهات التحقيق إلى إعادة النظر في ملابسات الواقعتين، وصولًا إلى الاتهام باستخدام مادة الكلور في الاعتداء على الطفلين.
وهنا تحولت القضية من واقعة صحية غامضة إلى ملف جنائي تتداخل فيه التقارير الطبية مع أقوال الشهود والتحريات.
بعد وفاة «رحمة».. الاتهام يتغير
بعد وفاة الطفلة «رحمة» نتيجة المضاعفات التي لحقت بها، اتخذت القضية مسارًا أكثر خطورة، بعدما عدلت النيابة وصف الاتهام إلى القتل العمد مع سبق الإصرار والترصد بالنسبة للطفلين، وفق ما ورد في أوراق القضية.
وأحالت النيابة المتهمات الثلاث إلى محكمة الجنايات، لتبدأ مرحلة جديدة من القضية أمام القضاء.
القضية أمام محكمة الجنايات
عادت القضية إلى الواجهة مع بدء إجراءات المحاكمة، وسط حضور المتهمات ودفاع أسرة الطفلين.
وتنظر المحكمة في الاتهامات والأدلة والأقوال الواردة في القضية، لتحديد مدى ثبوت ما نُسب إلى المتهمات من عدمه.
فما ورد في أمر الإحالة والتحقيقات يمثل اتهامات ووقائع تنظرها المحكمة، بينما يظل الفصل النهائي في مسؤولية المتهمات من اختصاص القضاء وحده.
طفلان رحلا وبقي السؤال
رحل «رحيم» و«رحمة»، لكن حكايتهما لم تنتهِ بوفاتهما، إذ تحولت الواقعة إلى قضية تنتظر كلمة القضاء، بعدما بدأت برواية عن لدغة ثعبان وانتهت باتهام أفراد من الأسرة نفسها بالتورط في الاعتداء عليهما.
وبين خلافات الكبار وبراءة طفلين لم يعرفا شيئًا عن أسبابها، تظل القضية واحدة من أكثر الوقائع الأسرية قسوة، ليس فقط بسبب تفاصيل الاتهام، وإنما لأن الأطفال الذين كان يفترض أن يكونوا في أكثر الأماكن أمانًا، وجدوا أنفسهم - بحسب التحقيقات - في قلب صراع لم يختاروه ولم يفهموه.
وفي النهاية، تبقى الحقيقة الكاملة لما حدث مرهونة بما ستكشفه أدلة المحاكمة وما تنتهي إليه أحكام القضاء.
اقرأ أيضاً:
ما رأيك في هذا الخبر؟