رعاية صحية بالطاقة الشمسية.. «ستيلا جوفا» أول سيارة إسعاف تعمل دون وقود
في الوقت الذي لا تزال فيه آلاف القرى النائية حول العالم تعاني من صعوبة الوصول إلى الخدمات الطبية الأساسية، يواصل الباحثون والمهندسون البحث عن حلول مبتكرة تتجاوز العقبات التقليدية، مثل نقص الوقود وانقطاع الكهرباء ورداءة البنية التحتية. ومن بين هذه الحلول، برز مشروع هولندي طموح يعتمد على الطاقة الشمسية لتقديم الرعاية الصحية، عبر تطوير أول سيارة إسعاف تعمل بالطاقة الشمسية، في خطوة قد تغير مستقبل الخدمات الطبية في المناطق الأكثر احتياجًا.
وحمل المشروع اسم "ستيلا جوفا" (Stella Jova)، وهو أحدث ابتكارات فريق "سولار أيندهوفن" التابع لجامعة آيندهوفن للتكنولوجيا في هولندا، والذي يسعى إلى تسخير الطاقة النظيفة لخدمة القطاع الصحي، وتوفير وسيلة نقل وتجهيز طبي قادرة على العمل في المناطق التي يصعب وصول سيارات الإسعاف التقليدية إليها.

ابتكار يستهدف المناطق الأكثر احتياجًا
تستهدف سيارة الإسعاف الشمسية المجتمعات الريفية والقرى البعيدة التي تعاني من ضعف البنية التحتية، حيث تمثل الطرق الوعرة، وغياب مصادر الكهرباء، ونقص الوقود، تحديات رئيسية تعيق وصول الخدمات الطبية بصورة منتظمة.
ويعتمد التصميم الجديد على ألواح شمسية توفر الطاقة اللازمة لتشغيل الأجهزة الطبية داخل السيارة، بما يسمح باستمرار تقديم الخدمات الصحية حتى في المناطق التي لا تتوافر فيها شبكات كهرباء أو محطات وقود، وهو ما يجعلها خيارًا عمليًا للمناطق النائية في القارة الأفريقية.
شراكة مع واحدة من أكبر المؤسسات الصحية في أفريقيا
جرى تطوير المشروع بالتعاون مع مؤسسة "أمريف هيلث أفريكا" (Amref Health Africa)، إحدى أكبر المنظمات غير الحكومية العاملة في مجال الرعاية الصحية بالقارة الأفريقية، والتي تمتلك خبرة تمتد لما يقرب من سبعة عقود في دعم الأنظمة الصحية وتقديم الخدمات الطبية بالمناطق المحرومة.
وتهدف هذه الشراكة إلى الاستفادة من تقنيات الطاقة الشمسية لتوسيع نطاق الخدمات الصحية، خاصة في المناطق التي يعيش فيها ملايين السكان بعيدًا عن المستشفيات والمراكز الطبية، ويعانون من صعوبة الحصول على الرعاية الصحية بسبب ضعف البنية الأساسية.

تجهيزات طبية متكاملة
لم يقتصر المشروع على توفير وسيلة نقل تعمل بالطاقة النظيفة، بل زُودت السيارة بمجموعة من الأجهزة الطبية التي تمكن الطواقم الصحية من تقديم خدمات التشخيص والعلاج الأولي ميدانيًا.
وتضم السيارة جهاز إزالة الرجفان الخارجي الآلي، إضافة إلى جهاز أشعة سينية محمول يتيح إجراء الفحوصات الطبية داخل المناطق الريفية، ويساعد في الكشف المبكر عن مرض السل، الذي لا يزال يمثل أحد أبرز أسباب الوفاة في عدد من الدول الأفريقية.
وأوضح الطالب يارنو باستن، أحد أعضاء فريق "سولار أيندهوفن"، أن وجود جهاز الأشعة المحمولة داخل السيارة يمنح الفرق الطبية فرصة للوصول إلى المرضى في أماكنهم، وهو ما يسهم في اكتشاف الأمراض مبكرًا وتقليل معدلات الوفيات.

أول تجربة ميدانية في كينيا
بعد نجاح الاختبارات الفنية الأولية في هولندا، يستعد الفريق لإرسال سيارة الإسعاف إلى كينيا خلال شهر أغسطس المقبل، لإجراء أول تجربة تشغيل ميدانية بالتعاون مع مؤسسة "أمريف هيلث أفريكا".
وستتنقل السيارة بين عدد من المواقع الصحية التابعة للمؤسسة، بهدف اختبار كفاءتها في ظروف تشغيل حقيقية، خاصة في المناطق التي تتميز بطرق غير ممهدة وتضاريس صعبة، تمهيدًا لتقييم إمكانية تعميم التجربة في دول أفريقية أخرى.
سجل حافل في تطوير المركبات الشمسية
ولا يُعد مشروع "ستيلا جوفا" التجربة الأولى لفريق "سولار أيندهوفن"، إذ اعتاد طلاب الجامعة تطوير سيارة جديدة تعمل بالطاقة الشمسية كل عامين، في إطار مشروع بحثي يهدف إلى تقديم حلول مبتكرة تعتمد على الطاقة النظيفة.
وحقق الفريق إنجازات عالمية لافتة، أبرزها الفوز أربع مرات متتالية ببطولة العالم للسيارات الشمسية في أستراليا ضمن فئة سيارات العائلة (Cruiser).
كما أطلق عام 2021 سيارة التخييم الشمسية "ستيلا فيتا" التي قطعت رحلة طويلة من هولندا إلى أقصى جنوب أوروبا اعتمادًا بالكامل على الطاقة الشمسية.
وفي عام 2023، كشف الفريق عن سيارة الدفع الرباعي "ستيلا تيرا"، التي نجحت في قطع أكثر من ألف كيلومتر عبر تضاريس المغرب وصولًا إلى مشارف الصحراء الكبرى، لإثبات قدرة المركبات الشمسية على العمل في البيئات الصحراوية والطرق الوعرة.

الطاقة النظيفة في خدمة الإنسان
ويرى مطورو المشروع أن الهدف لا يقتصر على تصنيع سيارات تعمل بالطاقة الشمسية، بل يمتد إلى توظيف التكنولوجيا النظيفة في خدمة الإنسان، خاصة في القطاعات الحيوية مثل الرعاية الصحية، بما يتيح وصول الخدمات الطبية إلى المجتمعات الأكثر احتياجًا، ويعزز فرص إنقاذ الأرواح بعيدًا عن قيود الوقود والكهرباء.
ويأمل القائمون على المشروع أن تمثل "ستيلا جوفا" نموذجًا جديدًا للمستقبل، يجمع بين الابتكار والاستدامة والعمل الإنساني، ويفتح الباب أمام استخدام الطاقة الشمسية في دعم الأنظمة الصحية بالمناطق النائية حول العالم.
اقرأ أيضاً:
- محمود عصمت: الوادي الجديد نموذج واعد للاستثمار في الطاقة الشمسية
- وزير الكهرباء: نستهدف رفع مساهمة الطاقة المتجددة إلى 45% خلال عامين
- قطر تفتتح أول مسجد ذكي يجمع بين العمارة الإسلامية والتكنولوجيا الحديثة
- مدبولي يشهد توقيع مذكرة تفاهم لإنشاء أول مصنع لتوربينات الرياح ومشروع طاقة بقدرة 2000 ميجاوات
- «أوبليسك» للطاقة الشمسية.. مشروع عملاق يدعم التحول نحو الطاقة النظيفة في قنا
ما رأيك في هذا الخبر؟