فيلم «نازا».. يُعرّي الاحتلال بشهادات جنوده
عندما تكون السينما صاحبة رسالة، وعندما تتحول الكاميرا من مجرد أداة للترفيه إلى شاهد على الحقيقة، ساعتها لا يصبح الفيلم مجرد عمل فني يُعرض على شاشة، وإنما يصبح وثيقة تاريخية لا تمحوها الأيام، وتُفتح ملفات حاول البعض طويلًا إخفاءها خلف جدران دعاية وتبرير مزيف وصورة ذهنية مُضللة. وهنا تأتي أهمية الفيلم الوثائقي الإسرائيلي «نازا» للمخرجين الإسرائيليين يوفال أبراهام وراشيل زور، والذي فجر جدلًا واسعًا وردود فعل كبيرة منذ عرضه في مهرجان فينيسيا السينمائي، وحصل على جائزة لجنة التحكيم الخاصة، وسط تصفيق استمر نحو 25 دقيقة. وكلمة «نازا» هي مصطلح متداول داخل أروقة الاستخبارات وجيش الاحتلال الإسرائيلي للدلالة على أعداد المدنيين المتوقع قتلهم أو التضحية بهم، في غارة جوية عند استهداف شخص مُعين.
والأخطر والأهم في فيلم «نازا» ليس فقط ما يقوله الفيلم، وإنما من يقول هذه الشهادات. حيث يستند الفيلم إلى شهادات 24 من أفراد الجيش والاستخبارات الإسرائيلية، جرى إخفاء هوياتهم لحمايتهم، ويتحدثون في الفيلم عن آليات استهداف الفلسطينيين في غزة، وعن كيفية اتخاذ قرارات عسكرية كانت لها آثار كارثية على المدنيين.
وهنا تكمن قوة الفيلم في قوة الشهادة، والتي لم تأتِ من أشخاص شاهدوا الجريمة من بعيد، فيأتي من يقول ربما يكون هناك مبالغة، وربما لم تُرَ الحقيقة كاملة، لكن عندما تأتي الشهادة من داخل المؤسسة التي نفذت العمليات نفسها، فإن مساحة الإنكار تضيق، ومحاولة طمس الحقيقة تصبح في غاية الصعوبة.
فلم يعد الأمر صورة تنقلها الكاميرات، فالعالم كله شاهد خلال الحرب على غزة صور الأطفال القتلى، والنازحين، والمنازل المدمرة، والمستشفيات التي خرجت من الخدمة بعد تعرضها للدمار، والعائلات التي فقدت أفرادها، والمدن التي تحولت إلى ركام.
لكن هذه المرة هناك من داخل المؤسسة العسكرية للاحتلال نفسها، من يتحدث عن آليات الحرب وكيفية استهداف الأهداف والضحايا المدنيين، واستخدام أنظمة تكنولوجية وذكاء اصطناعي في عمليات الاستهداف.
وهذا هو الجديد الذي يقدمه «نازا»، فالرواية تأتي هذه المرة من داخل إسرائيل نفسها، ومن داخل المؤسسة العسكرية، ومن أشخاص كانوا جزءًا من منظومة العدوان.
وهنا تصبح القضية أكثر مصداقية وضربة للسلطة الإسرائيلية، فالفيلم لا يأتي من مخرج فلسطيني أو عربي يمكن اتهامه بالانحياز، وإنما من مخرجين إسرائيليين اختارا أن يضعا أمام العالم شهادات من داخل المؤسسة الإسرائيلية نفسها.
لقد أصاب الفيلم إسرائيل بالهلع، وكانت ردود الفعل الإسرائيلية شديدة الغضب، فرئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو هاجم الفيلم ووصفه بأنه تحريض، فيما رفض الجيش الإسرائيلي الاتهامات الواردة فيه، وقال إن ما جاء في الفيلم يتضمن ادعاءات كاذبة ومشوهة. كما أعلن رئيس الأركان الإسرائيلي دراسة القيام بإجراءات قانونية بشأن الفيلم، بل وصل الأمر إلى أن طالب وزير الثقافة الإسرائيلي ميكي زوهار باتخاذ إجراءات ضد المخرجين، ووصل الأمر إلى طلب سحب جنسيتهما، في مشهد يكشف حجم الصدمة التي أثارها الفيلم داخل إسرائيل.
والسؤال هنا:
إذا كان الفيلم مجرد أكاذيب، فلماذا كل هذا الغضب؟ وإذا كانت الشهادات بلا قيمة، فلماذا كل هذه المعركة لمنع تأثيرها؟ وإذا كانت الصور التي شاهدها العالم لا تعكس الحقيقة، فلماذا الخوف من إعادة فتح الملف من خلال شهادات أشخاص من داخل المؤسسة نفسها؟
ولا شك أن أخطر ما في الفيلم أنه يكسر واحدة من أقوى الأدوات التي اعتمدت عليها إسرائيل طوال عقود: الرواية الأحادية.
فالشعب الفلسطيني يتحدث ويصور لعقود الاعتداء الإسرائيلي، وإسرائيل تقول عكس ذلك، وتدعي أنها هي من تتعرض للإرهاب.
فجاء فيلم «نازا» ليفتح نافذة ثالثة:
ماذا يقول بعض من كانوا داخل المؤسسة العسكرية والأمنية الإسرائيلية نفسها؟
وهذا هو الفارق.
فالفيلم لا يعتمد فقط على صور الدمار القادمة من غزة، وإنما يحاول الاقتراب من غرفة العمليات، ومن طريقة التفكير في الأهداف، ومن القرارات التي سبقت سقوط القنابل. ويكشف: عمن اتخذ القرار؟ ومن عرف بوجود المدنيين؟ ومن ضغط الزر؟ ومن اعتبر سقوط هؤلاء المدنيين ثمنًا مقبولًا؟ وهنا تحول المشهد من مجرد رواية شاهدها العالم، إلى شهادات من الداخل الإسرائيلي نفسه.
ولهذا فإن الفيلم لا يمكن اختزاله في أنه مجرد عمل سينمائي. ولكنه أصبح وثيقة للتاريخ، من حق العالم أن يشاهدها، ومن حق الصحافة أن تحقق فيها، ومن حق القضاء الدولي والمؤسسات الحقوقية أن تنتفض لتفحص كل شهادة بها.
فالجرائم الصهيونية التي ذُكرت، لا تسقط بالتقادم ولا يمكن للآلة الإعلامية الصهيونية طمسها.
وهذا بالضبط ما يجعل «نازا» واحدًا من الأفلام التي تجاوزت حدود السينما إلى مساحة السياسة والتاريخ وحقوق الإنسان.
وهذا هو الدور الحقيقي للصحافة والسينما، فتح الملفات، وطرح الأسئلة، ومنع الحقيقة من أن تُدفن تحت الركام.