د محمد فاروق .. يكتب: ماذا لو.. أصبح الحلم حقًا؟
حين يصبح العلم جسرًا يعبر عليه أبناء البسطاء إلى المستقبل، لا امتيازًا لا يملكه إلا القادرون على الوصول إليه.
قديمًا قالوا: «العلم يرفع بيوتًا لا عماد لها، والجهل يهدم بيوت العز والكرم».
ولم تكن الحكمة مجرد أبيات شعرية يتغنى بها الناس، وإنما كانت تلخيصًا لفكرة آمنت بها أجيال، وهي أن الإنسان يستطيع أن يغير قدره بالعلم، وأن ابن الفقير يمكن أن يصبح عالمًا، وأن ابن القرية البعيدة يمكن أن يتبوأ مكانًا لم يكن أحد يتخيل أن يصل إليه.
لكن ماذا لو سألنا أنفسنا اليوم: هل يكفي أن نفتح أبواب التعليم أمام الجميع، أم أننا بحاجة أيضًا إلى أن نفتح أمامهم أبواب المستقبل؟

ماذا لو؟
في حياتنا السياسية، عرفنا نظام الكوتة، الذي يستهدف ضمان تمثيل فئات معينة في المجالس النيابية، كالمرأة، وغيرها من الفئات التي يرى المشرع ضرورة تعزيز حضورها في الحياة العامة.
وقد تختلف الآراء حول جدوى هذا النظام وحدوده، لكن الفكرة التي تستحق التأمل هي أن المجتمع قد يحتاج أحيانًا إلى تدابير خاصة حتى لا تبقى بعض الفئات بعيدة عن مواقع المشاركة والتأثير.
وهنا يطل سؤال آخر، ربما يبدو للبعض غريبًا، لكنه يستحق أن نمنحه حقه في التفكير:
ماذا لو امتدت هذه الفكرة، بضوابط واضحة، إلى بعض الوظائف العامة المرموقة، مثل الالتحاق بكليات الشرطة والقوات المسلحة، والهيئات القضائية، ووزارة الخارجية، وغيرها من المؤسسات التي تمثل حلمًا لآلاف الشباب؟
ماذا لو أعدنا النظر في آليات إتاحة الفرص، بحيث يحصل أبناء المحافظات المختلفة على فرص عادلة في المنافسة، ويحظى أبناء الأسر محدودة الدخل باهتمام حقيقي يضمن ألا تتحول ظروفهم الاقتصادية إلى حواجز تعوق وصولهم إلى ما يستحقونه من مواقع؟
ليس المقصود أن نمنح وظيفة لمن لا يستحقها، أو أن نخفض معايير الكفاءة من أجل تحقيق التوازن، وإنما أن نسأل أنفسنا بصدق: هل كل من يستحق الفرصة يستطيع بالفعل الوصول إليها؟ وهل تتساوى قدرة ابن الأسرة الميسورة، الذي يجد من يعينه ويوجهه ويوفر له سبل الاستعداد، مع قدرة شاب موهوب لا يجد في بيته من يساعده سوى دعوة أم وقلق أب؟
هناك شباب لا تنقصهم العقول، وإنما تنقصهم الإمكانات. لا ينقصهم الطموح، وإنما تنقصهم أحيانًا المعرفة بالطريق. وربما يجلس بينهم من يمتلك من النزاهة والذكاء والاستعداد ما يؤهله لخدمة وطنه في أرفع المواقع، لكنه لا يعرف كيف يقترب من الحلم، أو لا يملك ما يعينه على الاستعداد له.
وهؤلاء لا يحتاجون إلى شفقة أحد، بل إلى عدالة تمنحهم فرصة حقيقية.
ماذا لو كان للفقر نصيب من اهتمامنا، لا من الوظائف، وإنما من فرص الوصول إليها؟
تخيلوا شابًا من أسرة بسيطة في إحدى قرى البحيرة أو الصعيد أو سيناء، ينجح في دراسته بتفوق، ويحلم بالالتحاق بإحدى المؤسسات الوطنية الكبرى. تخيلوا أباه الذي أفنى عمره في عمل شاق، وأمه التي ربما باعت من راحتها وصحتها كي توفر له ما يحتاج إليه.
ماذا يعني لهذه الأسرة أن ترى ابنها يصل إلى موقع مرموق بكفاءته واجتهاده؟
الأمر أكبر من راتب أو لقب وظيفي. إنه شعور بأن سنوات التعب لم تذهب هباءً، وأن العلم لم يكن وعدًا كاذبًا، وأن الطريق إلى المستقبل لم يُغلق لأن الإنسان وُلد في بيت متواضع أو في محافظة بعيدة.
إنها لحظة ينتصر فيها الأمل على الشعور بالعجز، وتكتشف فيها الأسرة أن أبناءها ليسوا أقل استحقاقًا للحلم من أبناء الآخرين.
ولعل الأثر الأعمق لهذه الفكرة لن يكون في عدد الذين يصلون إلى الوظائف المرموقة فحسب، وإنما في ملايين الذين سيعيدون اكتشاف قيمة العلم، حين يرون أن التفوق يمكن أن يفتح الأبواب بالفعل، وأن الاجتهاد ليس رحلة طويلة تنتهي عند حدود الظروف الاجتماعية.
فالطفل الذي يرى ابن قريته يصل إلى موقع مهم، قد يكبر وهو يؤمن بأن المستقبل ليس حكرًا على أحد. والشاب الذي يرى أن مجتمعه يسانده في تجاوز العقبات، سيكون أكثر استعدادًا لأن يجتهد ويبدع ويمنح وطنه أفضل ما لديه.
ومع ذلك، فإن أي نظام من هذا النوع يحتاج إلى دراسة دقيقة، ومعايير معلنة، وآليات شفافة تمنع المحاباة، وتحفظ الكفاءة والنزاهة، وتراعي المتطلبات الخاصة بكل مؤسسة. فالمساواة لا تتحقق باستبدال امتياز بامتياز آخر، ولا بإنشاء حصص جامدة لا تراعي طبيعة الوظائف، وإنما بإزالة الحواجز غير العادلة، وتوسيع قاعدة المتنافسين، وضمان أن يكون التفوق الحقيقي هو أساس الاختيار.
وقد يكون الطريق إلى ذلك من خلال برامج إعداد مجانية للمتفوقين من الأسر محدودة الدخل، ومنح دراسية وتدريبية، وتوجيه مهني مبكر، ودعم أبناء المحافظات الأقل وصولًا إلى فرص التأهيل، إلى جانب دراسة مدى ملاءمة أي تدابير تفضيلية محددة للقانون وطبيعة كل مؤسسة.
فالمهم ليس شكل الوسيلة وحده، بل قدرتها على تحقيق غايتها: ألا يخسر المجتمع موهبة لأن صاحبها فقير، وألا يُحرم الوطن عقلًا نابهًا لأن صاحبه لم يولد في المكان المناسب.
ماذا لو آمنا بأن العدالة ليست أن نترك الجميع عند خط البداية نفسه، بينما يحمل بعضهم أثقالًا لا يحملها الآخرون؟
وماذا لو أدركنا أن الاستثمار في أبناء البسطاء ليس منحة اجتماعية، وإنما استثمار في طاقة بشرية قد تكون من أعظم ما يمتلكه الوطن؟
إن مصر التي تريد لأبنائها مستقبلًا أفضل، لا تحتاج فقط إلى متفوقين يصلون إلى القمة، بل تحتاج إلى مجتمع يؤمن بأن الطريق إلى القمة مفتوح أمام كل موهبة، وأن الكفاءة لا وطن لها داخل حدود المحافظات، ولا طبقة لها داخل حدود المجتمع.
فلا تجعلوا مكان الميلاد حكمًا على المستقبل، ولا تجعلوا دخل الأسرة سقفًا للطموح، ولا تتركوا طفلًا يعتقد أن بعض الأحلام خُلقت لغيره.
ماذا لو أصبح السؤال الذي نطرحه على كل شاب ليس: ابن مَن أنت؟ بل: ماذا تستطيع أن تقدم لوطنك؟
عندها ربما نكتشف أن بين أبناء البسطاء عقولًا تنتظر فرصة، وطاقات تنتظر من يكتشفها، وأحلامًا لو وجدت طريقها إلى النور لتغيرت بها حياة أصحابها، وربما تغيرت معها حياة مجتمع بأكمله.
فالعلم يرفع البيوت حقًا، لكن المجتمع العادل هو الذي يفتح أمام العلم أبوابًا لا تغلقها فوارق المال والمكان.
ولعل أجمل ما يمكن أن نقدمه لأبنائنا ليس أن نضمن لهم الوصول إلى القمة، وإنما أن نضمن ألا يُحرموا من محاولة الوصول إليها.
فالأمل ليس أن نعد الفقراء بمستقبل أفضل، بل أن نجعل هذا المستقبل ممكنًا أمامه
اقرأ أيضاً:
- حقوق كبار السن في مصر.. تفاصيل الحماية والرعاية وفق القانون الجديد
- حين هزمت القوة الناعمة خوارزميات الكراهية
- محافظ البحيرة تهنئ الرئيس السيسي والأمة الإسلامية بذكرى المولد النبوي الشريف
- لقمة العيش تنتهي بحادث مؤلم.. خروج 10 مصابين من أبناء الشرقية
- مقتل شخصين وإصابة آخرين في مشاجرة بالأسلحة النارية بين أبناء عمومة داخل قرية بقنا
ما رأيك في هذا الخبر؟