نجحت بعثة أثرية مصرية تابعة للمجلس الأعلى للآثار في الكشف عن مقبرة منقوشة لشخصية بارزة تُدعى «وني»، داخل جبانة الملك مرنرع بمنطقة سقارة الأثرية، في اكتشاف جديد يسلط الضوء على الجوانب الإدارية والدينية والجنائزية خلال عصر الدولة القديمة، وذلك إلى جانب العثور على تمثالين خشبيين في وضع تعبدي نادر ومجموعة من الأدوات البرونزية التي يُرجح استخدامها في الأغراض الطبية.
وجاء الكشف خلال أعمال الحفائر التي تفقدها شريف فتحي، وزير السياحة والآثار، اليوم الاثنين، بمنطقة تقع إلى الشمال الغربي من هرم الملك مرنرع، حيث تمكنت البعثة من العثور على مصطبة أثرية مشيدة بالطوب اللبن، تضم عددًا من آبار الدفن، من بينها بئر يقود إلى حجرة دفن تحمل نقوشًا تخص صاحب المقبرة.
نقوش أثرية تكشف مكانة صاحب المقبرة
وأوضح الدكتور هشام الليثي، الأمين العام للمجلس الأعلى للآثار، أن الكشف يحمل أهمية تاريخية وأثرية كبيرة، لما يتضمنه من معلومات عن التخطيط المعماري للمصاطب الجنائزية خلال الدولة القديمة، فضلًا عن توثيق بعض الممارسات الدينية والجنائزية في تلك الفترة.
وأشار إلى أن حجرة دفن «وني» تتميز باحتفاظ نقوشها بحالة جيدة نسبيًا، الأمر الذي ساعد الباحثين على تحديد اسمه والتعرف على عدد من الألقاب التي شغلها، من بينها «العمدة»، و«كاهن سم»، و«مدير كل نقبة ملكية»، و«خازن مال بيت الشمال»، و«السمير الوحيد»، و«سيد مدينة الكاب».
وتكشف هذه الألقاب عن تعدد المسؤوليات الإدارية والدينية التي ارتبطت بصاحب المقبرة، كما تقدم مؤشرات مهمة بشأن مكانته الاجتماعية وصلته بمؤسسات الدولة الملكية في ذلك العصر.
وخلال جولته التفقدية، نزل وزير السياحة والآثار إلى بئر الدفن، واستمع إلى شرح من الدكتور عمرو الطيبي، مدير عام منطقة آثار سقارة ورئيس البعثة، حول تفاصيل المقبرة وتاريخها وأبرز النقوش المكتشفة على جدرانها ودلالاتها التاريخية.
تمثالان خشبيان وأدوات برونزية تثير اهتمام الباحثين
وأسفرت أعمال الحفائر عن اكتشاف حجرة مقبية تقع مباشرة فوق حجرة دفن «وني»، عُثر بداخلها على مجموعة من اللقى الأثرية، أبرزها تمثالان خشبيان صغيران يظهران في وضع تعبدي غير معتاد، وهو ما يمنح الباحثين فرصة لدراسة طبيعة التجهيزات الجنائزية واستخدام المساحات المعمارية داخل المصاطب المصرية القديمة.
كما عثرت البعثة داخل بئر الدفن على مجموعة من الأدوات البرونزية التي يُرجح ارتباطها بالأغراض الطبية، في اكتشاف يستدعي مزيدًا من الفحص والتحليل لتحديد طبيعة هذه الأدوات ووظائفها الأصلية.
وأوضح مسؤولو البعثة أن النقوش الموجودة داخل حجرة الدفن لا تتضمن ما يشير إلى أن «وني» كان يحمل لقب طبيب، وهو ما يجعل العلاقة بين الأدوات المكتشفة وصاحب المقبرة إحدى النقاط التي تحتاج إلى دراسات متخصصة قبل الوصول إلى نتائج نهائية.
وفي سياق متصل، كشفت البعثة عن باب وهمي يخص سيدة تُدعى «سخت نبتي»، كانت تحمل عددًا من الألقاب الدينية، من بينها «كاهنة حتحور»، وهو ما يضيف شواهد جديدة على الأدوار الدينية التي مارستها النساء خلال عصر الدولة القديمة.
فحوص البقايا العظمية تكشف الحالة الصحية لصاحب المقبرة
من جانبه، أكد الدكتور عمرو الطيبي أن الدراسات الأولية التي أُجريت على البقايا العظمية الخاصة بـ«وني» أظهرت أنه توفي بعد تجاوز الخمسين من عمره، كما كشفت عن معاناته من مشكلات صحية، شملت أمراضًا متقدمة في الأسنان والأنسجة المحيطة بها.
وأشارت الفحوص كذلك إلى وجود مؤشرات عظمية تتفق مع تعرضه لإجهاد بدني متكرر خلال حياته، بما يساعد على تكوين صورة أوضح عن ظروفه الصحية والمعيشية، بالتكامل مع المعلومات التي توفرها النقوش واللقى الأثرية المكتشفة.
وتواصل البعثة المصرية حاليًا أعمال الدراسات الأثرية والمعمارية واللغوية والفنية، إلى جانب تحليل الأدوات المكتشفة والسياقات الجنائزية المرتبطة بها، بهدف تحديد وظائف العناصر المعمارية المختلفة وفهم مراحل استخدام المصطبة.

ويأتي هذا الكشف ضمن جهود المجلس الأعلى للآثار لمواصلة أعمال التنقيب العلمي في جبانة الملك مرنرع بسقارة، التي لا تزال تقدم شواهد جديدة تساعد على فهم تاريخ مصر القديمة وتطور مؤسساتها الإدارية والدينية وتقاليدها الجنائزية.