تحقيق استقصائي | قضية أموال المعاشات.. التفاصيل الكاملة لأزمة أثارت الجدل من عهد مبارك حتى الآن (2)
الحلقة الثانية: معركة الروايات.. غالي والتلاوي وشهود آخرون
تحقيق استقصائي إعداد د. محمد غالي :
الشرارة: حوار غالي مع لميس الحديدي
فجر د. يوسف بطرس غالي الجدل من جديد منتصف يوليو 2026، خلال حوار مطول على جزأين مع الإعلامية لميس الحديدي في بودكاست "موعد مع لميس"، تناول فيه ملفات عدة من مسيرته الوزارية، وفي مقدمتها أزمة أموال التأمينات والمعاشات. ونفى غالي، خلال الجزء الثاني من الحوار، أي مسئولية شخصية عما جرى لهذه الأموال، مستنداً إلى أنه كان وقت اتخاذ القرار وزيراً للاقتصاد وليس وزيراً للمالية، وأن القانون كان يمنع أصلاً استثمار أموال التأمينات خارج مصر.
وأكد أن دوره اقتصر على اقتراح الاستعانة بجزء من فوائض هذه الأموال لدعم البورصة المصرية بشكل مؤقت في أعقاب الأزمة الأسيوية، وأن ما تم كان عبر شركات متخصصة في إدارة المحافظ الاستثمارية وبالتشاور مع وزيرة التأمينات وقتها، وذهب إلى أن هذا الاستثمار حقق، على مدى عشرين عاماً، متوسط عائد سنوي بلغ 23%، نافياً تماماً أن تكون الأموال قد ضاعت أو استغلت لأغراض شخصية.
رد التلاوي: رواية غير دقيقة
ردت د. ميرفت التلاوي بسلسلة من التصريحات الإعلامية والصحفية، بدأتها بوصف حديث غالي بأنه "غير دقيق"، مؤكدة أن الوقائع التي تروجها ثابتة رغم محاولاته النأي بنفسه عنها. وأوضحت أن أموال التأمينات كانت مودعة في بنك الاستثمار القومي الذي كان خاضعاً لإشراف وزير الاقتصاد في ذلك الوقت، أي غالي نفسه، وهو ما يسقط – بحسب رؤيتها – حجة أنه لم يكن مسئولاً عنها.
كما شككت في تصويره للفترة توليتها الوزارة على أنها أشهر معدودة، مؤكدة أنها قضت عامين كاملين على رأس وزارة التأمينات والشئون الاجتماعية، من 1997 حتى 1999، قبل أن يطرأ تعديل وزاري مع بداية فترة رئاسية جديدة لمبارك. ووصفت طريقة سرده للأحداث خلال حواره التليفزيوني بأنها "غير واقعية"، معتبرة أنه حاول تصويرها وكأنها لم تكن مدركة لأليات إدارة أموال التأمينات وقتها.
(هامش جانبي: الفلوس لم ترجع حتى هذه اللحظة، و لا أعرف أين ذهبت.. هل خسرت في البورصة أم استخدمت لتمويل عجز الموازنة العامة؟ - د. ميرفت التلاوي)
خلاف حول طبيعة الأموال: خاصة أم عامة؟
من أهم نقاط الخلاف بين الطرفين، الجدل حول الصفة القانونية لأموال التأمينات ذاتها. فبينما حاول غالي، بحسب قراءة التلاوي لتصريحاته، تصوير الأمر باعتباره تصرفاً في أموال عامة تخص الدولة، تصر التلاوي على أن هذه الأموال مكونة أساساً من اشتراكات العاملين ومساهمات جهات عملهم، وأنها بذلك أموال خاصة لا يجوز التعامل معها كاحتياطي حكومي أو توظيفها في مشروعات لا تعود بعائد مباشر على أصحابها.
شهادات مساندة ومنتقدة
الكاتب الصحفي أسامة سلامة (روزاليوسف): حصر في مقاله المسئولية في ستة أطراف رئيسية هي كمال الجنزوري بصفته رئيس الوزراء وقتها، يوسف بطرس غالي، ميرفت التلاوي نفسها لصمتها لسنوات بعد مغادرتها الوزارة، صفوت الشريف، كل الوزراء اللاحقين الذين لم يتحركوا لاسترداد الأموال، والرئيس الأسبق حسني مبارك باعتباره المسئول الأعلى سواء علم بما جرى أو لم يعلم.
الإعلامي نشأت الديهي: هاجم غالي خلال برنامجه التليفزيوني، متهماً إياه بمحاولة إلقاء تبعة أزمة أموال التأمينات على الرئيس الراحل مبارك، في محاولة – على حد وصفه – لتنظيف صورته الشخصية على حساب تاريخ مبارك.
الكاتبة سكينة فؤاد (الأهرام): وضعت القضية في سياق دستوري، مستندة إلى المادتين 17 و27 من الدستور، ونقلت عن مستشار قانوني وصف ما جرى بأنه "ظلم تاريخي" لحقوق مكفولة دستورياً، مطالبة بمراجعة كل الجهات الرقابية لمحاسبة من شارك في الإضرار بأموال المعاشات.
مسئولون سابقون في إدارة الاستثمار: ظهرت في الأيام التالية للجدل تصريحات لأحد المسئولين الذين أداروا صندوق استثمار أموال التأمينات سابقاً، قدم من خلالها تفاصيل إضافية عن ألية ضخ الأموال في البورصة في تلك الفترة.
مواقف برلمانية: أعلن النائب رضا عبد السلام دعمه العلني لرواية التلاوي عقب تصريحات غالي، في وقت جدد نواب آخرون مطالباتهم بالتحقيق في مصير أموال المعاشات التاريخية.
قاسم مشترك بين الروايتين
على الرغم من التناقض الحاد بين الطرفين حول تفاصيل المسئولية، إلا أن هناك نقاط اتفاق ضمنية تكشفها الروايتان معاً: أن مبالغ ضخمة من أموال المعاشات استخدمت فعلاً في دعم البورصة ومشروعات قومية، وأن جزءاً منها لم يسترد حتى الآن، وأن القرار اتخذ في إطار حكومي تشاركي ضم أكثر من وزير ورئيس وزراء، لا في قرار فردي معزول. وهو ما يجعل تحميل المسئولية لشخص واحد أمراً مبسطاً أكثر من اللازم لأزمة امتدت لعقود.
ما رأيك في هذا الخبر؟