ملف استقصائي | فاتورة الصيف الساخن: كيف تتداخل معادلة الغاز وديون الكهرباء مع استهداف ميناء دمياط؟ (1)
ملف استقصائي إعداد د. محمد غالي:
في مساء الجمعة الماضي، أصدرت وزارة الكهرباء والطاقة المتجددة بيانًا يقر تعريفة محاسبية جديدة لاستهلاك الكهرباء المنزلي، برفع نسبته 12% تقريبًا على معظم الشرائح، مع تجميد الشريحة الأولى دون تغيير. جاء القرار في ذروة موجة حر غير مسبوقة، وبعد أيام فقط من حادث استهداف طائرة مسيّرة سفينتين للتخزين والتغييز في ميناء دمياط على ساحل البحر المتوسط.
توقيت الإعلان أشعل موجة تساؤلات وربطًا سريعًا بين الحادث الأمني وقرار التسعير، وهو ما بادرت وزارة الكهرباء إلى نفيه صراحة عبر متحدثها الرسمي المستشار منصور عبد الغني في أكثر من تصريح إعلامي. لكن هذا النفي، رغم تكراره، لا يغلق الملف، بل يفتح الباب أمام سؤال أعمق: ما الذي يحرك فعليًا تكلفة الكهرباء في مصر، ولماذا يتكرر رفع الأسعار في هذا التوقيت تحديدًا من كل عام؟
يحاول هذا الملف الاستقصائي، عبر ثلاث حلقات متتابعة، تفكيك هذه المعادلة: من بنية تكلفة الغاز الذي يشغّل محطات الكهرباء، إلى منظومة الدعم والمديونية المتبادلة بين وزارتي الكهرباء والبترول، وصولًا إلى السياق الأمني والسياسي الذي رافق قرار الأسبوع الماضي، وردود الفعل النيابية والشعبية التي تلته.

الحلقة الأولى: معادلة الغاز المكلفة.. من أين تأتي فاتورة الصيف؟
مصر بين ثلاثة مصادر للغاز وثلاثة أسعار مختلفة
يعتمد إنتاج الكهرباء في مصر بشكل شبه كامل على الغاز الطبيعي، إذ يذهب نحو ثلثي الاستهلاك المحلي من الغاز إلى محطات وزارة الكهرباء. المشكلة أن الإنتاج المحلي من الغاز يمر حاليًا بأدنى مستوياته منذ عقد كامل، عند نحو 3.8 مليار قدم مكعب يوميًا، بعدما كانت حقول مثل ظهر تنتج بمفردها في أوج عطائها نحو 2.7 مليار قدم.
هذا التراجع يجبر الدولة على استكمال احتياجاتها من ثلاثة مصادر، لكل منها كلفة مختلفة تمامًا:
- حصة الدولة من إنتاجها المحلي، وهي الأرخص نظريًا.
- حصة الشريك الأجنبي في الحقول المحلية، وتباع بسعر يتراوح بين 5 و6 دولارات لكل مليون وحدة حرارية بريطانية (MMBtu).
- كمية إضافية تُستورد من مصدر إقليمي مجاور بسعر أعلى يصل إلى نحو 8 دولارات.
- مجموع هذه المصادر الثلاثة يقترب من 5 مليارات قدم مكعب يوميًا فقط.
- فجوة الصيف: من 5.5 إلى 7 مليارات قدم مكعب
الاستهلاك المصري من الغاز يتغير بشكل حاد بين الفصول: نحو 5.5 مليار قدم مكعب يوميًا في الشتاء، يقفز إلى ما يقارب 7 مليارات في الصيف، نتيجة اشتعال أحمال التكييف وتراجع كفاءة محطات التوليد نفسها في درجات الحرارة المرتفعة. هذه الفجوة الموسمية، التي تتجاوز 1.5 مليار قدم مكعب يوميًا، لا يمكن تغطيتها من المصادر الثلاثة السابقة، فتلجأ الدولة إلى استيراد الغاز الطبيعي المسال من السوق العالمية.
الغاز المسال المستورد قد يصل سعره في السوق الفورية إلى ما يقارب 20 دولارًا للوحدة الحرارية في ذروة الطلب الصيفي العالمي. وحين تُضاف تكاليف سفن إعادة التغييز، والرسوم المرتبطة بالشحن، والدفع الآجل، فإن متوسط تكلفة الغاز المستورد فعليًا يقترب من 7.5 إلى 8 دولارات للوحدة، حتى مع افتراض متفائل بأن حصة الدولة من إنتاجها المحلي بلا تكلفة تُذكر، وهو افتراض لا يعكس الواقع الذي يتضمن نفقات تشغيل وصيانة ونقل لا يمكن تجاهلها.

لماذا لا تحل الاكتشافات الجديدة المشكلة؟
تتكرر في الأشهر الأخيرة أخبار عن اكتشافات وتشغيل حقول جديدة تضيف كميات إضافية من الغاز، لكن هذه الإضافات غالبًا ما تقابلها معدلات تراجع أكبر في الحقول القديمة التي تشيخ إنتاجيًا. فحين يُعلن عن تشغيل حقل يضيف كمية معينة، يكون التراجع الطبيعي في حقول أخرى أكبر من هذه الإضافة، بحيث تكون المحصلة النهائية سالبة رغم عناوين الأخبار الإيجابية.
لذلك تتجه الحكومة إلى مسار مواز، هو عقد صفقات استيراد جديدة طويلة الأجل بأسعار أقرب إلى مصادر الاستيراد الإقليمي منها إلى الغاز المسال الأغلى، في محاولة لتقليل الاعتماد على السوق الفورية شديدة التقلب. هذه المعادلة، بمكوناتها الأربعة المتفاوتة السعر، هي التي تشكل الأساس الفعلي لتكلفة إنتاج كل كيلوواط ساعة كهرباء في مصر، وهي التي ستفسر في الحلقة التالية كيف تحوّلت إلى مديونية ضخمة بين وزارتين.
اقرأ أيضاً:
- تحالف «بتروجت» و«إنبي» يقترب من إنجاز مشروع محطة ضواغط الغاز بالأردن
- الاقتصاد المصري يُغلق ثقب الطاقة الأسود.. كيف أنهت القاهرة مستحقات شركات النفط الأجنبية قبل موعدها؟ (1)
- تعديلات قانون القيمة المضافة: بين الوعود الحكومية وآليات السوق- من يحمي المستهلك النهائي؟ (3)
- مفاوضات حدودية حساسة: واشنطن تستضيف جولة جديدة بين لبنان وإسرائيل
- وزير المالية أمام خطة النواب: لا ضريبة على الغاز الطبيعي بالمنازل
ما رأيك في هذا الخبر؟