"نفسي في المانجا".. والد أحد ضحايا حادث الدواويس يروي اللحظات الأخيرة لطفلته
كتبت-آية غنيم
كم هي قاسية الحياة!
كم هي قاسية الحياة حين تحرم طفلة في السادسة من عمرها من أبسط حقوق طفولتها، فتخرج من بيتها بحثًا عن بضعة جنيهات، بدلًا من أن تخرج للعب أو تحمل حقيبتها إلى المدرسة. وكم يصبح المشهد أكثر قسوة حين تكون تلك الطفلة واحدة من ضحايا حادث الدواويس بالإسماعيلية، فتتحول رحلة قصيرة للعمل إلى نهاية مأساوية لعمر لم يبدأ بعد.
كانت بسملة أشرف، 6 سنوات، واحدة من ضحايا حادث الدواويس المروع، بعدما خرجت للعمل في جني الفول السوداني رغم أن اليوم كان إجازة لها، بحثًا عن يوميتها التي لم تكن تتجاوز بضعة جنيهات، وكانت تحمل في قلبها أمنية طفولية بسيطة: أن تشتري مانجا وتأكلها.
يوم إجازتها كان آخر أيامها
كان من المفترض أن يكون ذلك اليوم فرصة لبسملة للراحة واللعب، لكنها خرجت للعمل رغم إجازتها، في محاولة للحصول على يومية تساعد بها أسرتها التي تعيش ظروفًا اقتصادية شديدة الصعوبة.
لم تكن الصغيرة تبحث عن مال كثير، ولم تكن تملك أحلامًا كبيرة؛ كانت تريد فقط أن تحصل على أجر يومها، ثم تعود إلى منزلها بما يكفي لتحقيق رغبة صغيرة في عمرها: أن تأكل المانجا.
لكنها لم تكن تعرف أن الطريق الذي خرجت إليه في ذلك اليوم لن تعود منه مرة أخرى.
بسملة بين ضحايا حادث الدواويس
كانت بسملة ضمن العمال الذين استقلوا مركبات ربع نقل في طريقهم للعمل، قبل أن يقع حادث الدواويس بمحافظة الإسماعيلية، والذي أسفر عن وفاة 18 شخصًا وإصابة 30 آخرين، بحسب ما أعلنته النيابة العامة.
وهكذا، تحولت قصة الصغيرة من محاولة للحصول على يومية بسيطة إلى مأساة جديدة تضاف إلى قائمة ضحايا الحادث، وأصبحت بسملة واحدة من الأسماء التي تركت خلفها أسرة مكلومة وأختًا صغيرة لن تراها مرة أخرى.
أخت صغيرة ودعتها دون أن تعرف
قبل أن تغادر بسملة منزلها، ودعت أختها الصغيرة، في مشهد ربما بدا عاديًا في ذلك الوقت؛ طفلة تخرج من البيت، وأسرتها تنتظر عودتها في نهاية اليوم.
لكن ذلك الوداع العابر أصبح الوداع الأخير، فلم تكن أختها الصغيرة تعرف أن شقيقتها لن تعود من العمل، وأن الساعات القادمة ستحمل إلى الأسرة خبرًا يفوق قدرتها على الاحتمال، بعدما أصبحت بسملة واحدة من ضحايا حادث الدواويس.
بضعة جنيهات كانت حلمها
لم تكن يومية بسملة كبيرة، لكنها كانت تعني لها الكثير. بضعة جنيهات مقابل ساعات من العمل في جني الفول السوداني، كانت تنتظرها لتعود إلى منزلها وتشتري ما تشتهيه.
كانت المانجا حلمها الصغير في ذلك اليوم، لكن القدر كان له موعد آخر؛ فبدلًا من أن تعود بسملة إلى بيتها تحمل ما اشترته من مال يوميتها، عادت سيرتها إلى المنزل في صورة خبر وفاة، وانطفأت معها أحلام طفلة لم تتجاوز السادسة.
أسرة فقيرة دفعت أطفالها إلى العمل
وبحسب المعلومات المتداولة عن أسرة بسملة، فإن الأسرة تعاني ظروفًا اقتصادية بالغة الصعوبة وفقرًا واحتياجًا شديدًا، وهو ما جعل العمل بالنسبة لأفرادها وسيلة لتوفير متطلبات الحياة الأساسية.
ومن هنا، تبدو قصة بسملة أكبر من مجرد حادث سير، فهي حكاية طفلة دفعتها ظروف أسرتها إلى سوق العمل في سن صغيرة، لتصبح في النهاية واحدة من ضحايا حادث الدواويس الذي هز الأسر المصرية وخلف عشرات الضحايا والمصابين.
لا تحكموا على الفقر من بعيد
قد يطرح البعض سؤالًا مؤلمًا عن سبب عمل طفلة في السادسة، وهو سؤال مشروع من زاوية حماية الأطفال، لكن الإجابة لا يمكن أن تكون مجرد لوم للأسرة أو اختزال المأساة في عبارة "بيخلفوا ليه".
فخلف الفقر حكايات لا يراها من يعيش بعيدًا عنه؛ أسر تكافح من أجل الطعام والاحتياجات الأساسية، وأحيانًا يجد أفرادها أنفسهم أمام اختيارات قاسية لا تشبه الاختيارات التي يتخذها من يعيش في ظروف مستقرة.
وهذا لا يجعل عمل الأطفال أمرًا طبيعيًا أو مقبولًا، لكنه يضع مأساة بسملة في سياقها الإنساني والاجتماعي، ويطرح سؤالًا أكبر عن الأسر التي يدفعها الفقر إلى الزج بأطفالها في أعمال شاقة وهم في عمر لا يعرفون فيه سوى اللعب.
النيابة تكشف سبب حادث الدواويس
وكانت النيابة العامة قد باشرت التحقيق في حادث الدواويس، الذي وقع نتيجة تصادم مركبتي ربع نقل محملتين بعمال يومية، وأسفر عن وفاة 18 شخصًا وإصابة 30 آخرين.
وكشفت التحقيقات أن انفجار الإطار الخلفي الأيمن لإحدى المركبتين أدى إلى انحرافها نحو الاتجاه المقابل واصطدامها بالمركبة الأخرى.
وأمرت النيابة العامة بفحص المركبتين فنيًا، وأخذ عينات من السائقين للكشف عن مدى تعاطيهما مواد مخدرة، إلى جانب استكمال التحقيقات وسؤال المصابين الذين حالت حالتهم الصحية دون الاستماع إلى أقوالهم.
الرحيل قبل أن تعرف معنى الحياة
رحلت بسملة أشرف وهي في السادسة من عمرها، واحدة من ضحايا حادث الدواويس، بعدما خرجت في يوم إجازتها بحثًا عن يومية بسيطة، وكانت أمنيتها أن تأكل مانجا.
لم تكن تعرف أن القدر كان ينتظرها في الطريق؛ وأن رحلة العمل القصيرة ستنهي حياتها وتترك خلفها أختًا صغيرة تبحث عنها، وأسرة فقيرة فقدت طفلتها، وحكاية ستظل شاهدة على قسوة الفقر حين يلتقي بحادث مأساوي.
بسملة لم تكن رقمًا في قائمة ضحايا حادث الدواويس، كانت طفلة كان كل حلمها مانجا، وكان كل ما تحتاجه أن تعيش طفولتها.
اقرأ أيضاً:
ما رأيك في هذا الخبر؟