35 عامًا على الإنترنت.. كيف حوّلت الشبكة العالم إلى قرية صغيرة؟
كتبت-آية غنيم
قبل الإنترنت.. كان العالم أبطأ وأكثر بساطة
قبل أن تصبح الشبكة العنكبوتية جزءًا من كل تفاصيل الحياة، كان العالم يعيش بإيقاع مختلف تمامًا، الأخبار تنتقل ببطء، والمعلومة تحتاج وقتًا حتى تصل، ومن يريد معرفة ما يحدث في مكان بعيد كان عليه أن ينتظر نشرة إخبارية أو صحيفة في اليوم التالي، أو يسمع الخبر من شخص آخر.

كانت المكالمات الهاتفية والرسائل الورقية واللقاءات المباشرة هي الوسائل الأساسية للتواصل، وكان الوصول إلى المعلومات مرتبطًا بالكتب والمكتبات والصحف والتليفزيون.
لم يكن الإنسان يستطيع أن يجلس في منزله، يضغط بضعة أزرار، ثم يفتح نافذة على العالم بأكمله.

لحظة غيّرت شكل العالم
في عام 1989، كان العالم أمام فكرة ستغير شكل الحياة إلى الأبد، عالم الفيزياء البريطاني تيم برنرز لي، الذي كان يعمل في المنظمة الأوروبية للأبحاث النووية “CERN”، اقترح نظامًا يتيح مشاركة المعلومات بين العلماء وأجهزة الكمبيوتر المختلفة بصورة أكثر سهولة.
وبحسب CERN، ابتكر برنرز لي شبكة الويب العالمية أثناء عمله في المنظمة، وكان الهدف الأصلي منها تسهيل تبادل المعلومات بين العلماء والجامعات والمؤسسات البحثية حول العالم.
وفي ديسمبر 1990، أصبحت الفكرة واقعًا، بعدما شُغّل أول خادم وأول متصفح للويب في CERN، وظهر أول موقع إلكتروني في التاريخ على العنوان info.cern.ch.

من مختبر علمي إلى شبكة للعالم كله
في 6 أغسطس 1991، أصبح الويب متاحًا خارج CERN للمرة الأولى، وهي اللحظة التي فتحت الباب أمام انتشار الفكرة عالميًا. وكان الويب في بداياته مختلفًا تمامًا عن الصورة التي نعرفها اليوم؛ صفحات بسيطة تعتمد بدرجة كبيرة على النصوص، قبل أن تتطور المتصفحات والتقنيات التي جعلت الإنترنت أكثر سهولة وجاذبية.
لكن التحول الأكبر جاء عندما قررت CERN في عام 1993 إتاحة تقنية الويب بصورة مجانية، الأمر الذي ساعد على انتشارها بسرعة في أنحاء العالم.

فجأة.. أصبح بإمكانك الوصول إلى العالم وأنت في مكانك
ثم جاءت مرحلة غرف الدردشة وبرامج المحادثة الفورية، لتمنح الإنترنت بُعدًا إنسانيًا جديدًا.
ومن أبرز الأسماء التي يتذكرها جيل الإنترنت الأول Yahoo! Chat وYahoo! Pager، اللذان سمحا للمستخدمين بالدردشة وإرسال الرسائل الفورية والتواصل مع أشخاص بعيدين عنهم جغرافيًا.
وفي 9 مارس 1998 أطلقت Yahoo خدمة Yahoo! Pager، قبل إعادة تقديمها لاحقًا باسم Yahoo! Messenger عام 1999. وأصبحت خدمات الدردشة وقتها واحدة من أكثر التجارب إثارة لمستخدمي الإنترنت؛ لأن شخصًا يجلس في غرفة بمنزله أصبح قادرًا على التحدث فورًا مع شخص آخر في دولة مختلفة.
كانت الفكرة في حد ذاتها أشبه بالخيال: أن تبقى في مكانك، ومع ذلك تستطيع أن تصل إلى العالم.

الشبكة العنكبوتية جعلت العالم قرية صغيرة
ومع انتشار المواقع الإخبارية ومحركات البحث والبريد الإلكتروني ثم المنتديات والمدونات وشبكات التواصل الاجتماعي، لم تعد المسافة عائقًا أمام المعلومة.
خبر يقع في مدينة بعيدة يمكن أن يصل إلى ملايين الأشخاص خلال دقائق، وصورة يلتقطها شخص في شارع صغير يمكن أن يراها العالم، وشخص يعيش في بلد يمكنه أن يتحدث مع عائلته الموجودة في قارة أخرى وكأن المسافة اختفت.
وهنا تحولت مقولة “العالم قرية صغيرة” من مجرد وصف مجازي إلى واقع يومي؛ فأصبح سكان هذه القرية الرقمية يعرفون ما يدور عند جيرانهم في أي مكان تقريبًا.
من أول موقع إلكتروني إلى مليارات الصفحات
الرحلة التي بدأت بموقع بسيط داخل CERN تحولت إلى منظومة ضخمة غيّرت التعليم والعمل والتجارة والإعلام والترفيه.
وتشير CERN إلى أن الويب الذي صُمم في البداية لتلبية احتياجات العلماء أصبح أداة أحدثت ثورة في الاتصالات حول العالم.
أما Pew Research Center فيوثق مجموعة من المحطات التي ساهمت في تطور الويب، من ظهور المتصفحات القابلة للاستخدام على نطاق أوسع، إلى إدخال الصور داخل صفحات الويب، ثم انتقال الشبكة تدريجيًا إلى الاستخدام الجماهيري.
الإنترنت لم يغيّر طريقة التواصل فقط
التحول لم يكن في الكلام مع الآخرين فحسب؛ فالإنترنت أعاد تعريف معنى الوصول إلى المعرفة.
في الماضي، كان الطالب يحتاج إلى كتاب أو مكتبة للبحث عن معلومة، بينما يستطيع اليوم الوصول إلى آلاف المصادر خلال دقائق. وأصبحت الجامعات والمؤسسات والصحف والشركات والخدمات الحكومية حاضرة على الشاشة التي يحملها الإنسان في يده.
كما فتح الويب أبوابًا جديدة للعمل والتجارة وريادة الأعمال، وأصبح بإمكان شخص يعيش في مدينة صغيرة أن يتعلم مهارة من مؤسسة تعليمية في دولة أخرى أو يعمل مع شركة تقع على الجانب الآخر من العالم، لكن القرية الصغيرة لها وجه آخر، هذه الثورة لم تأتِ بلا ثمن.
فكلما أصبح نشر المعلومات أسرع، أصبح انتشار المعلومات المضللة أسرع أيضًا. ومع انتقال جزء كبير من الحياة إلى الإنترنت ظهرت تحديات جديدة تتعلق بالخصوصية، وأمن البيانات، والجرائم الإلكترونية، والتنمر الإلكتروني.
وتشير تقارير حديثة بمناسبة مرور 35 عامًا على ظهور الويب إلى أن التقنية التي وسعت الوصول إلى التعليم والمعرفة والتواصل خلقت في الوقت نفسه تحديات تتعلق بالمعلومات المضللة والخصوصية والأمن الرقمي.

تيم برنرز لي.. فكرة بدأت لحل مشكلة وانتهت بتغيير البشرية
المفارقة أن برنرز لي لم يبدأ مشروعه بهدف تغيير حياة مليارات البشر؛ كانت الفكرة في الأساس محاولة لحل مشكلة عملية تتعلق بكيفية مشاركة المعلومات بين العلماء.
لكن تلك الفكرة الصغيرة تحولت إلى واحدة من أكثر الاختراعات تأثيرًا في التاريخ الحديث.
ومن صفحات نصية بسيطة داخل مختبر أبحاث، وصل العالم إلى محركات البحث، ومواقع الأخبار، ومواقع التواصل، ومكالمات الفيديو، والتجارة الإلكترونية، والخدمات الرقمية، ثم الذكاء الاصطناعي الذي يفتح اليوم مرحلة جديدة من تاريخ التكنولوجيا.
35 عامًا.. من عالم ينتظر الخبر إلى عالم يصنعه
اليوم، أصبح من الصعب تخيل الحياة من دون الويب، لم يعد الإنسان ينتظر الجريدة لتعرف ما حدث، ولا ينتظر رسالة ورقية ليطمئن على شخص بعيد، ولا يحتاج بالضرورة إلى السفر كي يتعلم من مؤسسة موجودة في بلد آخر، لقد تغير السؤال من "متى ستصل المعلومة؟" إلى “كيف أميز المعلومة الصحيحة وسط هذا الكم الهائل منها؟”
وهكذا، خلال نحو ثلاثة عقود ونصف، انتقل البشر من عالم كانت فيه المسافات تتحكم في سرعة المعرفة والتواصل، إلى عالم يمكن فيه لأي شخص تقريبًا أن يفتح هاتفه ويطل على ملايين الأشخاص والمعلومات في اللحظة نفسها.
لقد جعلت الشبكة العنكبوتية العالم قرية صغيرة بالفعل، لكن المفارقة أن سكان هذه القرية لم يعودوا يعرفون فقط ما يحدث عند جيرانهم، بل أصبح بإمكانهم المشاركة في صناعة ما يحدث، والتعليق عليه، ونشره، وتغييره أيضًا.
اقرأ أيضاً:
- باقة الإنترنت بكام؟.. أسعار WE تصل إلى 2280 جنيهًا
- حقيقة زيادة أسعار الإنترنت والمحمول بنسبة 35%
- «الشعب الجمهوري» يشيد بخدمات حماية الأطفال عبر الإنترنت
- وزارة الاتصالات تطلق «شريحة الطفل».. خدمتى «اطمن» و«اطمن على الآخر» لحماية الأطفال على الإنترنت
- مواعيد وقنوات بث مباراة مصر وبلجيكا في كأس العالم 2026 وطرق المتابعة المباشرة
ما رأيك في هذا الخبر؟