هل تهدد أدوية الحموضة صحة القلب؟ دراسة تكشف زيادة المخاطر بنسبة 58%
كتبت-آية غنيم
حبوب الحموضة تحت المجهر.. ماذا كشفت الدراسة الجديدة؟
أثارت دراسة طبية حديثة تساؤلات حول مدى أمان الاستخدام المطول لأدوية علاج حرقة المعدة وارتجاع المريء، بعدما رصدت ارتفاع احتمالات الإصابة بمضاعفات القلب والأوعية الدموية لدى الأشخاص الذين يتناولون هذه الأدوية لأكثر من 30 يومًا.
ووفقًا لما نشرته صحيفة «ديلي ميل» البريطانية في 30 أكتوبر 2026، فإن الأشخاص الذين استخدموا الأدوية المعروفة باسم مثبطات مضخة البروتون (PPIs) لمدة تزيد على شهر، سجلوا ارتفاعًا بنسبة 58% في احتمالات التعرض لحدث قلبي وعائي، مقارنة بغير المستخدمين لهذه الأدوية.
كما أشارت النتائج إلى ارتفاع احتمالات الوفاة بسبب مشكلة مرتبطة بالقلب بنسبة 38%، بينما لم ترصد الدراسة زيادة ذات دلالة إحصائية في احتمالات الإصابة بالسكتة الدماغية.
وتعيد هذه النتائج فتح النقاش حول الاستخدام طويل الأمد لأدوية الحموضة، خاصة أنها من العلاجات الشائعة التي يعتمد عليها ملايين الأشخاص للتعامل مع ارتجاع المريء وقرحة المعدة والحموضة المتكررة.

ما الأدوية التي شملتها الدراسة؟
تناولت الدراسة خمس مواد فعالة تنتمي إلى مجموعة مثبطات مضخة البروتون، وهي أدوية تعمل على تقليل إنتاج حمض الهيدروكلوريك داخل المعدة، ما يساعد على تخفيف أعراض الحموضة وتقليل تهيج المريء والمساعدة في التئام قرح المعدة.
وشملت المواد الفعالة التي تناولها التحليل:
- أوميبرازول (Omeprazole).
- لانسوبرازول (Lansoprazole).
- إيزوميبرازول (Esomeprazole).
- بانتوبرازول (Pantoprazole).
- رابيبرازول (Rabeprazole).
وتختلف الأسماء التجارية لهذه الأدوية من دولة إلى أخرى، لكن المواد الفعالة تنتمي إلى المجموعة الدوائية نفسها.

كيف أُجريت الدراسة وما تفسير ارتفاع مخاطر القلب؟
بحسب التقرير المنشور عن الدراسة، قاد البحث فريق من الباحثين بالجامعة الوطنية الماليزية، واعتمد على تحليل 13 دراسة سابقة تناولت العلاقة بين استخدام مثبطات مضخة البروتون وصحة القلب والأوعية الدموية.
وقارن الباحثون بين الأشخاص الذين تناولوا هذه الأدوية وغير المستخدمين لها، مع تقييم احتمالات تعرضهم لمضاعفات القلب المختلفة.
وطرح الباحثون عدة تفسيرات محتملة للعلاقة التي رصدها التحليل، من بينها احتمال تأثير هذه الأدوية على مستويات أكسيد النيتريك في الجسم، وهي مادة تلعب دورًا مهمًا في مساعدة الأوعية الدموية على الاسترخاء والتمدد، بما يدعم تدفق الدم.
كما تناولت الفرضيات احتمال تأثير مثبطات مضخة البروتون على البكتيريا الموجودة في الأمعاء، وما قد ينتج عن ذلك من تغيرات مرتبطة بالالتهابات التي يمكن أن تؤثر في صحة القلب.
ومن بين الاحتمالات الأخرى وجود تداخلات دوائية بين بعض أنواع مثبطات مضخة البروتون والأدوية المستخدمة لمنع تجلط الدم، وهو أمر يستدعي الانتباه لدى المرضى الذين يتناولون عدة أدوية في الوقت نفسه، ومع ذلك تظل هذه تفسيرات محتملة وليست آليات ثبت أنها السبب المباشر للمضاعفات التي رصدتها الدراسة.
هل تعني زيادة المخاطر بنسبة 58% أن الدواء يسبب النوبة القلبية؟
من أهم النقاط التي يجب الانتباه إليها عند قراءة نتائج الدراسة أن ارتفاع احتمالات الإصابة بنسبة 58% لا يعني أن 58 شخصًا من كل 100 يتناولون الدواء سيصابون بأزمة قلبية.
فالنسبة تتحدث عن ارتفاع نسبي في الاحتمالات مقارنة بالمجموعة التي لم تستخدم الأدوية، وليس عن نسبة الإصابة الفعلية بين جميع المستخدمين.
كذلك، فإن الدراسة من النوع الرصدي الذي يعتمد على تحليل بيانات ودراسات سابقة، وهو ما يسمح برصد الارتباط بين استخدام الدواء والمضاعفات الصحية، لكنه لا يكفي وحده لإثبات أن الدواء هو السبب المباشر للإصابة.
فقد تكون هناك عوامل أخرى مؤثرة، مثل العمر والتدخين والسمنة وارتفاع ضغط الدم والسكري والأمراض القلبية الموجودة مسبقًا، فضلًا عن الأدوية الأخرى التي يتناولها المرضى.
ولهذا شدد الباحثون، وفقًا للتقرير المنشور، على ضرورة تفسير النتائج بحذر وعدم اعتبارها دليلًا قاطعًا على أن مثبطات مضخة البروتون تسبب أمراض القلب.

دراسات أخرى تقدم نتائج مختلفة بشأن أدوية الحموضة والقلب
لا تتفق جميع الأبحاث العلمية مع فكرة وجود علاقة مؤكدة بين استخدام مثبطات مضخة البروتون والإصابة بمضاعفات القلب.
ففي دراسة تحليلية نُشرت عام 2025 في المجلة الأمريكية لأمراض الجهاز الهضمي، بقيادة باحثين من مركز تقييم وأبحاث الأدوية التابع لإدارة الغذاء والدواء الأمريكية، جرى تحليل بيانات تجارب سريرية عشوائية لتقييم العلاقة بين هذه الأدوية والأحداث القلبية الوعائية.
وشمل التحليل تجارب ضمت 100 مشارك على الأقل، واستمر العلاج فيها لأكثر من 30 يومًا.
وخلص الباحثون إلى عدم وجود ارتباط إجمالي بين استخدام مثبطات مضخة البروتون وزيادة الأحداث القلبية الوعائية مقارنة بالدواء الوهمي، مع تسجيل بعض الاختلافات في مجموعة المرضى الذين عولجوا بسبب ارتجاع المريء.
وأشار الباحثون إلى أن النتائج المتعلقة بهذه المجموعة الفرعية تحتاج إلى تفسير حذر، بسبب قلة عدد الأحداث القلبية وعدم توافر بيانات فردية عن المرضى.
وفي تحليل علمي آخر نُشر عام 2022 في المجلة الأوروبية للطب الباطني، وشمل دراسات رصدية تناولت أكثر من 75 ألف حالة إصابة أولى بأمراض القلب والأوعية الدموية، لم يجد الباحثون دليلًا قويًا على أن استخدام مثبطات مضخة البروتون وحدها يمثل عامل خطر مستقلًا للإصابة بهذه الأمراض، بعد إجراء تعديلات إحصائية للتعامل مع بعض مصادر التحيز.
وتوضح هذه النتائج أن العلاقة بين أدوية الحموضة وصحة القلب ما زالت محل دراسة، وأن تصميم البحث وطبيعة المرضى ومدة المتابعة قد تؤثر في النتائج النهائية.

لماذا يصف الأطباء أدوية الحموضة لفترات طويلة؟
تُستخدم مثبطات مضخة البروتون لعلاج عدد من الحالات الطبية، أبرزها ارتجاع المريء وقرحة المعدة والاثني عشر، كما قد يصفها الأطباء لحماية المعدة لدى بعض المرضى الذين يتناولون أدوية يمكن أن تسبب قرحًا أو نزيفًا بالجهاز الهضمي.
وتكمن أهمية هذه الأدوية في قدرتها على تقليل إفراز الحمض، ما يساعد على تخفيف الأعراض والتئام الأنسجة المتضررة.
ووفقًا لهيئة الخدمات الصحية الوطنية البريطانية (NHS)، قد يصف الطبيب هذه الأدوية لعلاج ارتجاع المريء لمدة تتراوح عادة بين 4 و8 أسابيع، وفقًا لشدة الحالة واستجابة المريض للعلاج.
لكن بعض المرضى قد يحتاجون إلى استخدامها لفترات أطول، خاصة في حالات ارتجاع المريء الشديد أو التهاب المريء التآكلي أو بعض الحالات التي تتطلب حماية مستمرة للمعدة.
لذلك لا يمكن اعتبار الاستخدام لأكثر من شهر أمرًا خاطئًا في جميع الحالات، فمدة العلاج تتحدد وفقًا للتشخيص الطبي والفائدة المتوقعة من الدواء.
ما مخاطر الاستخدام طويل الأمد لأدوية الحموضة؟
إلى جانب التساؤلات المتعلقة بصحة القلب، تناولت أبحاث طبية سابقة مجموعة من الآثار المحتملة المرتبطة بالاستخدام المطول لمثبطات مضخة البروتون، ومن أبرزها:
- انخفاض مستويات المغنيسيوم في الدم لدى بعض المرضى.
- زيادة احتمالات الإصابة ببعض أنواع العدوى المعوية.
- احتمال نقص فيتامين B12 مع الاستخدام الطويل، خاصة لدى بعض الفئات المعرضة لنقصه.
- احتمالات تأثر صحة العظام وزيادة خطر الكسور في بعض الدراسات الرصدية.
- تداخلات دوائية محتملة مع بعض الأدوية الأخرى، ومنها أدوية منع تجلط الدم.
لكن من الضروري التمييز بين الآثار الجانبية المثبتة والمخاطر التي لا تزال محل بحث، إذ لا تعني كل علاقة رصدتها الدراسات أن الدواء يتسبب حتمًا في حدوث المشكلة لدى كل مستخدم.

كيف يمكن تقليل أعراض الحموضة دون الاعتماد المستمر على الأدوية؟
توجد مجموعة من التغييرات اليومية التي يمكن أن تساعد على تخفيف أعراض حرقة المعدة وارتجاع المريء، وقد تكون مفيدة إلى جانب العلاج الطبي أو في الحالات البسيطة.
ومن أبرز هذه الإجراءات:
1. تناول وجبات صغيرة ومتكررة بدلًا من الوجبات الكبيرة.
2. تجنب تناول الطعام خلال 3 إلى 4 ساعات قبل النوم.
3. تقليل الأطعمة التي تثير الأعراض، مثل الأطعمة الدهنية والحارة والشوكولاتة والقهوة، وفقًا لاستجابة كل شخص.
4. تقليل الوزن في حالة وجود زيادة، لأن السمنة قد تزيد الضغط على البطن وتفاقم ارتجاع الحمض.
5. الإقلاع عن التدخين.
6. رفع مستوى الرأس والصدر أثناء النوم من خلال رفع الجزء العلوي من السرير بنحو 10 إلى 20 سنتيمترًا.
7. استشارة الطبيب أو الصيدلي بشأن مضادات الحموضة ومستحضرات الألجينات، مثل جافيسكون، لتخفيف الأعراض قصيرة المدى.
وتوضح هيئة الخدمات الصحية الوطنية البريطانية أن مضادات الحموضة ومستحضرات الألجينات يمكن أن تساعد في تخفيف الأعراض، لكنها لا تعالج السبب الأساسي، ولا يُنصح بالاعتماد عليها بانتظام لفترات طويلة دون استشارة مختص.
هل يجب التوقف عن تناول أدوية الحموضة بعد نتائج الدراسة؟
رغم النتائج التي أثارت القلق، لا تعني الدراسة ضرورة توقف جميع المرضى عن تناول مثبطات مضخة البروتون، خاصة أن هذه الأدوية قد تكون ضرورية لعلاج حالات مرضية معينة والوقاية من مضاعفات الجهاز الهضمي.
وتؤكد التوصيات الطبية أهمية مراجعة الطبيب لتقييم مدى الحاجة إلى استمرار العلاج، وتحديد الجرعة والمدة المناسبة، خاصة لدى الأشخاص الذين يعانون عوامل خطر قلبية أو يتناولون أدوية متعددة.
كما أن التوقف المفاجئ بعد الاستخدام لفترات طويلة قد يؤدي إلى زيادة مؤقتة في إفراز حمض المعدة وعودة أعراض الحموضة بصورة أشد، لذلك قد يكون تقليل الجرعة تدريجيًا أو التحول إلى نظام علاجي آخر خيارًا مناسبًا لبعض المرضى تحت إشراف الطبيب.
وفي النهاية، تظل الرسالة الأهم هي استخدام أدوية الحموضة عند الحاجة الطبية، والالتزام بالجرعة والمدة المحددتين، وعدم الاستمرار في تناولها لسنوات دون مراجعة دورية، مع عدم إيقاف العلاج الموصوف اعتمادًا على نتائج دراسة واحدة.
اقرأ أيضاً:
ما رأيك في هذا الخبر؟