وثيقة سياسة ملكية الدولة 2026-2030: الخريطة الكاملة لتخارج الحكومة وبرنامج الطروحات (3)
الحلقـة الثالـثة: الجراحة الكبرى.. حلول منضبطة لمعضلات التسعير العادل والاحتصان وحماية العمالة
ملف استقصائي إعداد- د.محمد غالي:
تواجه وثيقة سياسة ملكية الدولة الحديثة جملة من الانتقادات والمخاوف المشروعة والعميقة من جانب الأوساط الاقتصادية الوطنية؛ حيث يبرز دائماً على السطح الخوف والتحذير من معضلة "هدر المال العام" عبر تقييم الأصول الاستراتيجية الكبرى بأقل من قيمتها الحقيقية والمستقبلية (Underpricing) تحت وطأة وضغوط الحاجة الفورية لتوفير السيولة والنقد الأجنبي وسد الفجوات التمويلية الطارئة. ومن هذا المنطلق، يطرح خبراء التخطيط الاستثماري حزمة من الحلول العملية والانضباطية الحاسمة التي تضمن عدم الانزلاق نحو هذا الفخ، وتأتي في مقدمتها صياغة "مؤشر مرجعي مستقل لتقييم الأصول السيادية" بالتعاون مع مؤسسات دولية مشهود لها بالنزاهة، مع تطبيق صارم لآلية "التخارج المتدرج"؛ بحيث يتم طرح حصص أقلية صغيرة جداً (بين 10% إلى 15%) في البداية لغرض وحيد وهو "استكشاف السعر السوقي العادل للأصل"، ثم يُشترط لبيع بقية الحصص تحقيق مؤشرات أداء (KPIs) واضحة يلتزم بها الشريك الإداري الجديد لرفع القيمة السوقية للأصل قبل الطروحات التالية.
وينتقل القلق التحليلي والاستقصائي مباشرة إلى ملف لا يقل خطورة وحساسية، وهو مخاطر تحول "الاحتكار العام الحكومي" في قطاعات استراتيجية تمس حياة المواطنين وحركة الأسواق (مثل المطارات، والاتصالات، وصناعة البتروكيماويات، وصناعة السكر)، إلى "احتكار خاص" يملك القدرة على السيطرة المطلقة والتحكم في الأسعار والإضرار بالمستهلك النهائي.
الحل العملي والانضباطي المعتمد في هندسة الوثيقة الحديثة يتطلب تفعيل الأداة التشريعية والقانونية لـ "السهم الذهبي" المقنن بموجب القانون 170 لسنة 2025؛ هذا السهم يمنح الحكومة المصرية حق "الفيتو القانوني الصارم" لمنع القرارات المصيرية المخالفة للأمن القومي أو الأمن الغذائي والاجتماعي (مثل تغيير النشاط الأساسي للشركة أو دمجها مع منافس لخلق قوة احتكارية)، دون أن تتدخل الدولة في تفاصيل الإدارة اليومية أو توزيع الأرباح لضمان مرونة القطاع الخاص. ويتزامن ذلك مع منح استقلالية مالية وفنية كاملة للأجهزة التنظيمية (مثل جهاز حماية المنافسة ومنع الممارسات الاحتكارية) لفرض عقوبات رادعة وحدود سعرية عادلة للخدمات الأساسية.
أما الملف الأكثر سخونة وتأثيراً على السلم الاجتماعي واستقرار الجبهة الداخلية، فهو مصير العمالة الكثيفة المكدسة في الشركات العامة المستهدفة بالتخارج أو إعادة الهيكلة، في ظل رغبة المستثمر الخاص الطبيعية في خفض النفقات وتعظيم الأرباح. لمواجهة هذه المخاوف وإبطال مفعولها، تُلزم الهندسة التنفيذية للوثيقة بتطبيق ثلاثة مسارات انضباطية متوازية:
أولاً، تأسيس "صندوق إعادة تأهيل العمالة وصقل المهارات" الذي تُمول ميزانيته عبر استقطاع نسبة مئوية ثابتة (تتراوح بين 3% إلى 5%) من الحصيلة الرأسمالية لكل عملية تخارج أو طرح حكومي.
ثانياً، إدراج شروط قانونية ملزمة في عقود الشراكة تمنع المستثمر الخاص من الاستغناء عن العمالة الفنية لفترة انتقالية محددة وتلزمه بتمويل خطط تدريبية لإعادة توجيه الفائض من العمالة نحو خطوط إنتاج وتوسعات جديدة للمنشأة.
ثالثاً، تطبيق خطط "تمليك الأسهم للعاملين" (ESOP) عبر تخصيص نسبة من الأسهم المطروحة لصالح عمال الشركة بأسعار تفضيلية، مما يحول قوة العمل من جبهة معارضة للتخارج إلى شريك حريص على إنجاح المستثمر الخاص لتعظيم أرباحهم الشخصية.
وينتهي هذا التحقيق الاستقصائي بحسم الجدل الدائر حول التداخل المؤسسي؛ حيث تؤكد شواهد الإنفاذ أن العلاقة بين "وحدة ملكية الدولة بمجلس الوزراء" و"صندوق مصر السيادي" تم تصميمها لتكون تكاملية بامتياز.
فالوحدة تملك القوة السياسية والقانونية لفض التشابكات المالية وإجراء المقاصات الإجبارية بين الوزارات وتطهير ميزانيات الشركات، في حين يتسلم الصندوق السيادي هذه الأصول بعد تنظيفها مالياً وقانونياً ليتولى الجانب التجاري والترويجي الصرف وتسويقها دولياً ومحلياً. ويرتبط هذا النجاح بأكمله بجداول زمنية صارمة تمتد حتى عام 2030 تحت رقابة "مركز المعلومات ودعم اتخاذ القرار بمجلس الوزراء"، لتبدأ بالمدى القصير (2026-2027) المخصص للجراحة الهيكلية والتشريعية، مروراً بالمدى المتوسط (2028-2029) لتسريع وتيرة شراكات البتروكيماويات وصناعة السكر، وصولاً لعام 2030 بهدف استراتيجي أسمى وهو تمكين القطاع الخاص ورفع مساهمته التنموية لتأسيس اقتصاد قوي ومستدام لا تشوبه شائبة عشوائية الإدارة.
اقرأ أيضاً:
ما رأيك في هذا الخبر؟