وثيقة سياسة ملكية الدولة 2026-2030: الخريطة الكاملة لتخارج الحكومة وبرنامج الطروحات (2)
الحلقـة الثانـية: تشريح وثيقتين.. كيف طهرت هندسة 2026 خطايا وعشوائية مسودة 2022؟
تحقيق استقصائي إعداد د. محمد غالي :
عند إخضاع المسار التنفيذي لتقييم استقصائي دقيق، يتضح أن التجربة الأولى لطرح وثيقة سياسة ملكية الدولة في ديسمبر 2022 لم تحقق النجاح المأمول ولم تؤتِ ثمارها الاستثمارية المنشودة، بل شابها الكثير من القصور الفني والتنفيذي والضبابية الإجرائية التي جعلتها في نظر خبراء التخطيط الاقتصادي والمؤسسات الدولية مجرد "إعلان نوايا استرشادي فضفاض" يفتقر تماماً إلى آليات الإنفاذ الحقيقية وإلى الغطاء التشريعي الملزم الذي يجبر البيروقراطية الحكومية على التنفيذ. في هذه الحلقة، نكشف بالتحليل الرصين والتدقيق المقارن كيف تحول المسار كلياً في الإصدار الحديث والمطور (2026-2030) عبر جراحة إدارية شاملة عالجت خمس خطايا هيكلية كانت تكبل يد الدولة عن الإصلاح الفعلي وتمنع القطاع الخاص من قيادة قاطرة التنمية.
الخطيئة الأولى والأبرز التي نجح الإصدار الحديث في التخلص منها هي التخلي الكامل عن "نظام الجداول الصماء والجامدة". ففي عام 2022، اعتمدت الحكومة على تقسيم الأنشطة الاقتصادية إلى جداول مغلقة وجامدة تقرر التخارج الكامل أو الجزئي أو الإبقاء على الاستثمارات خلال مدى زمني مدته ثلاث سنوات بناءً على تصنيفات عامة ومستهدفات رقمية مجردة (مثل مستهدف الوصول بنسبة مشاركة القطاع الخاص إلى 65%).
أثبتت التجربة العملية والواقع الاقتصادي المتغير أن الأسواق تحتاج إلى "مرونة استثمارية ديناميكية" وليس إلى قوالب إدارية جامدة تحت ضغط الاستعجال؛ لذلك تحولت الفلسفة في وثيقة 2026-2030 إلى ما يُعرف بـ "الملكية الانتقائية البحتة"، بحيث لا يرتبط تواجد الدولة أو تخارجها بجدول زمني أعمى، بل يصبح التواجد الحكومي مشروطاً واستثنائياً ويقتصر حصراً على الحالات التي تستند إلى أبعاد سيادية أو استراتيجية أو اجتماعية واضحة ومبررة، مع استحداث أداة تخطيطية بالغة الأهمية تتمثل في فرض سقوف مالية ملزمة ومسبقة للاستثمارات الكلية لكافة جهات الدولة لمنع التوسع العشوائي مجدداً في شرايين الاقتصاد.
أما الفارق الجوهري الثاني فيتعلق بكيفية صياغة العقيدة التشغيلية لـ "الهيئات الاقتصادية"؛ فبينما اكتفت مسودة 2022 بعمليات حصر وتصنيف نظري لتلك الهيئات وقياس مدى تأثيرها ومساهمتها في الأسواق دون تدخل حقيقي، انتقلت وثيقة 2026-2030 بدعم مباشر وقوي من القانون 170 لسنة 2025 إلى مرحلة "الجراحة التشغيلية والمالية الفعلية".

ويشمل ذلك مراجعة جذرية لكافة النماذج التشغيلية لتلك الهيئات، وإلزامها قانونياً بالتحول إلى شركات مساهمة تخضع بشكل كامل لقواعد الربح والخسارة والحوكمة المؤسسية وتصفية أو دمج الكيانات غير القابلة للإصلاح المالي لتخفيف العبء الثقيل عن كاهل الموازنة العامة للدولة. وأخيراً، تميز الإصدار الجديد بالارتقاء إلى مستوى المعايير البيئية والتنافسية الدولية؛ حيث نصت الوثيقة الحالية صراحة على ضرورة تأهيل وتجهيز كافة الشركات العامة الموجهة للتصدير لتتوافق وتتلاءم مع متطلبات "آلية تعديل حدود الكربون الأوروبية" (CBAM).
هذا البند الاستراتيجي يعكس وعياً تخطيطياً متقدماً؛ إذ يدرك صُناع السياسة الاستثمارية أن جذب شريك دولي أو الحفاظ على نفاذ الصادرات المصرية للأسواق العالمية في المستقبل يتطلب تطوير التنافسية البيئية والفنية للأصول قبل الشروع في البحث عن مستثمرين، وهو ما يرفع من القيمة السوقية للدولة ويمنع بيع الأصول بأسعار بخسة.
اقرأ أيضاً:
- رئيس الوزراء : وضعنا مستهدفًا يتمثل في استعادة القطاع الخاص لدوره في قيادة عجلة النمو
- مجلس الوزراء يوافق على 16 قرارًا جديدًا لدعم الاستثمار والتنمية
- نائب رئيس الوزراء يبحث مع "إرنست آند يونغ" التوسع في خدمات الاستشارات بمصر
- خلال الجلسة العامة لاستكمال مناقشة الحساب الختامي.. نواب يطالبون الحكومة بسد العجز في الموازنة وحل أزمة خسائر الهيئات الإقتصادية
ما رأيك في هذا الخبر؟