نبيل فكري .. يكتب: «اللي بالي بالك»
عندما قدم محمد سعد فيلم «اللمبي» الذي أحدث ضجة جماهيرية وقتها، حتى خشينا أن يتحول كل الناس إلى «لمبي» تدخلت الحكومة - نعم الحكومة - في شخص أو هيئة «المصنفات الفنية» ومنعت هذا الاسم، خشية أن يكون هناك «اللمبي 2» و«3» و«4».
بعدها عمل محمد سعد فيلم «اللي بالي بالك» وكان يقصد «اللمبي» وأيضاً كان اسمه «اللمبي» (اللي عمل عملية زرع جسم مع مأمور السجن» لتظل الإشكالية بعنوان موحٍ، لا أدري وقتها إن كان سخرية ممن منع الاسم، وهو عارف ( والله .. ما بتفرق معانا الأسماء)،ولم يمنع «اللمبي» ولا «اللي بالي بالك» من تحول كثير من شبابنا إلى هذه الشخصية الغريبة الحافلة بـ «ديفوهات» والمُغَيبة حتى لا تكاد تفيق، وربما بعدها أصبحنا نترحم عليها، بعدما ابتُلينا بـ «عبده موتة» و«الديزل» و«زلزال» و«الألماني» و«برازيلي» وغيرها من قائمة «القرف».
هذا السيناريو البعيد جداً، يبدو كأنه ما نفعله هذه الأيام مع ما يسمونه «نظام الطيبات» للراحل الدكتور ضياء العوضي، والذي يثير جدلاً يومياً لا يتوقف، يراود ويداعب خيالات وقلوب وعقول اليائسين من سلسلة لا يعرفون أين طرفيها تبدأ بالمرض وتمتد إلى العيادات والتحاليل والأدوية وتنتهي إلى «القبر».
طبيعي أن تنشغل الحكومة بما يشغل الناس، وأن تُستنفر إذا ما خشيت على حياة الناس، لكن ليس الحل أبداً في زعيق «أحمد موسى» و«الديهي» ولا تهديد «عمرو أديب»، وربما حتى ليس في تصريحات مسؤولين، أو طلبات إحاطة بالتصدي لظاهرة «مطاعم الطيبات».
دعونا نمضي مع الأمر خطوة خطوة، ولنبدأ بأسئلة، أجيبوا عنها معي: أولا: هل تظن أن الحكومة مهمومة بصحة الناس وتخاف عليهم من المرض؟
- الإجابة المتفائلة، سيقول نصف الناس نعم، ونصفهم لا.. لماذا نعم، فلأن هذه الحكومة هي التي أنجزت بنجاح ملف القضاء على فيروس «سي» ولو كانت لا تريد الخير للناس لتركتهم للمرض يقضي عليهم (كل شيء بأمر الله)، ولماذا لا، فلأن ما أصاب ويصيب الناس قد يقضي عليهم دونما مرض.
*ثانياً: هل أنت مقتنع أن شركات الأدوية ومعها كثير من شركات التغذية «مافيا» لا يعنيها سوى مكاسبها؟.
- الإجابة قولاً واحداً «نعم».
* ثالثاً: هل ما طرحه العوضي من نظريات لم يسبقه إليها غيره، حتى ولو كانوا شتى ؟
- سبقه غيره إلى كثير مما قال، لكن لم تصدر عن متخصص واحد، علماء أجانب وعرب، تحدثوا عن أضرار البيض والألبان والدقيق الأبيض والدجاج، وتحدثوا عن العلاج بالصيام، وعن «الكيماوي» الذي أجمع أطباء كثيرون على أنه سبب الموت من «الكانسر» أكثر من «الكانسر» ذاته.
* رابعاً: هل ما قاله العوضي لو صح، كفيل بأن يقلب الدنيا رأساً على عقب، وأن يُحدث زلزالاً عالمياً يؤرق عروش شركات وهيئات؟
- لو صح، فنعم وألف نعم.
* خامساً: هل جربته أو سمعت من أحد جرَّبه أنه كان سبباً في تغيير سريع؟.
- سمعت وجربت وهو بالفعل نظام مذهل كأنه السحر.
* سادساً: هل العوضي ظاهرة «حنجورية» و«تريند» وصانع جدل، أم أن لديه أكثر من ذلك؟
- لديه أكثر من ذلك بكثير، وما يقوله لم نسمع مثله من طبيب سبقه، مع الإقرار بأنه قد يكون بيننا من هو أعلم منه لكننا لم نسمعه كما سمعنا العوضي.
- سابعاً: من الذي لو تحدث وفنّد ما قاله العوضي، من الممكن أن تسمع إليه وأن يقنعك أو ترضى بحكمه؟.
- مثلاً الدكتور محمد غنيم رائد زراعة الكلى أو الدكتور مجدي يعقوب، أو حتى الدكتور محمد عوض تاج الذين .. يعني مش أحمد موسى ولا الديهي ولا الباز، ولا حتى تامر أمين.
تاسعاً: هل يمكن النظر إلى ما طرحه العوضي باعتباره «حمية غذائية» أو نظام ريجيم، و«نريح دماغنا»؟.
- ليه لأ.
*عاشراً وأخيراً: هل تغير شيء في العالم بعد نظرية العوضي؟
- نعم حتى لو بنسبة واحد في المليون.
في العالم مئات الأنواع من الحمية الغذائية، وأنظمة «الدايت»، حتى وصل الأمر إلى أن يكون لكل طبيب تغذية وصفته الخاصة، وعالمياً وبيننا نعرف كلنا «الكيتو» والصيام المتقطع وحمية البحر المتوسط، وحمية «داش»، وهناك «باليو» والحمية النباتية والتخسيس بالماء ونظام السعرات وحمية الكانديدا وحمية سرانك وشوربة الملفوف وحمية السكري والريجيم الكيميائي و«اللو كارب» وريجيم العصير وحتى ريجيم «العصر الحجري».
والسؤال: لماذا لم نتصدى لأي من هذه الأنظمة كما يؤرقنا «الطيبات» ؟ .. والإجابة لأن «الطيبات» ليست حمية لكنها وسيلة للتشافي، ولأنها لا تكترث بالأوية وربما تراها خطراً، والأهم لأنها لو صحت ولو نجحت، ستهدم «تابو» صنعه العالم عبر آلاف السنين، ومعه ستهدم منظمات وشركات وستجف معها أنهار المليارات التي تصب في جيوب من يصدرون لنا المرض والدواء معاً.
لست في معرض الحديث عن تجربة، لي ولا لآخرين، ولست طبيباً، لكنني مريض، ولذلك أعتقد أن هذا الأمر يعنيني، وحتى لو كانت «الطيبات» وهماً كما قال كثيرون، فالوهم الذي يكون سبباً في شفائي، أحب من وهم أعلم أنه وهم، ولا يقدم ولا يؤخر.
ولست في معرض الحديث عن آلاف الحكايات التي يرويها أصحابها ويقسمون عليها من حول العالم، ولا حتى الحكايات المتناثرة حولنا من أب وأخ أو صديق، ولا أيضاً في حديث الجسد ذاته الذي أنهكه المرض وقال «لماذا لا أجرب يومين» فاستراح، لكن ما يعنيني هو هذا الطرح ذاته الذي قاله الرجل، في محاضرات مذهلة بالشرح والتشريح والتفصيل الدقيق جداً،لن نخسر شيئاً أبداً من دراسة نظريته بروية شديدة وتشكيل لجنة تحظى بقبول واحترام وثقة، لكننا قد نخسر الكثير إن تركناها وفيها بعض الخير.
العوضي رحل إلى دار الحق، تاركا «الطيبات» للطيبين وللكارهين وللمغرضين، لكن من المفترض أنه وسط هؤلاء «الأمناء»، الذين مهما اختلفوا فيما بينهم، لن يختلفوا على حياتهم وعيشتهم ومستقبل أولادهم .. بيننا «الثقات» الذين يستطيعون بعقولهم وقلوبهم وحدهم، أن يفندوا لنا حقيقة «الطيبات».
منذ ظهر الدكتور ضياء العوضي، والناس بين ساخر وغاضب ومرعوب، وكأن الرجل لم يقل للناس «خففوا ما يؤذي أجسادكم»، بل دعاهم لعبادة الشمس مثلًا.
وعلى ذكر «اللمبي» في أول المقال، من أكثر ما يثير دهشتي، تلك المقارنة المستهلكة بفيلم «البيضة والحجر»، لكن في الفيلم، كلنا نتذكر «الدجال»، وقليلون انتبهوا إلى هؤلاء الذين ذهبوا إليه أصلًا. لم يذهبوا لأنهم أغبياء، بل لأن الحياة كانت قد هزمتهم. العريس الذي لم يستطع الاقتراب من زوجته، لم يكن يبحث عن سحر، بل عن رجولته المكسورة، والمرأة الباحثة عن الزواج كانت تبحث عمن يرشدها لمواطن الجمال فيها، والتي اكتشفت حقيقة صديقاتها، لم تكن تبحث عن تعويذة، بل عن يقين يريح قلبها، والرجل «اليابس» الذي أعادت جلسة «الزار» الدم إلى عروقه، لم يكن يريد معجزة، بل كان يريد أن يشعر أنه ما زال حيًا.
حدث كل ذلك بسبب «وهم» كما يقولون. حسنًا… فليكن. ما المشكلة أحيانًا في وهم يعيد للإنسان شهيته للحياة.
إقرأ ايضاً : نبيل فكري .. يكتب: ليس .. كالسادس من أكتوبر !!
إقرأ ايضاً : نبيل فكري .. يكتب: نحنُ «غرابا عك» !!
ما رأيك في هذا الخبر؟