العم صلاح جاهين في الرباعيات بيقول:
يا باب يا مقفول ... إمتى الدخول
صبرت ياما واللي يصبر ينول
دقيت سنين ... والرد يرجع لي: مين؟
لو كنت عارف مين أنا كنت أقول
عجبي!!!
في صباحٍ عادي، لا يختلف كثيرًا عن أمسه، يستيقظ دكتور الجامعة — ذلك الكائن الذي يُفترض أنه من نخبة المجتمع — لا على طموحٍ متجدد، بل على قائمة التزاماتٍ متراكمة: إيجار، فواتير، دروس خصوصية قد لا تأتي، وأملٍ يتآكل بصمت. يذهب إلى كليته النظرية، حاملًا في حقيبته كتبًا أثقل من أن تُترجم إلى قيمةٍ مادية، وأحلامًا أخف من أن تُرى.
لم يعد العلم في ذاته كافيًا. لم تعد الشهادة، ولا البحث، ولا حتى التفوق الأكاديمي، طريقًا واضحًا إلى الاستقرار. لقد تغيرت قواعد اللعبة. صار الأستاذ الجامعي — خاصة في الكليات النظرية — يقف في منطقة رمادية: ليس فقيرًا بما يكفي ليُتعاطف معه، ولا غنيًا بما يكفي ليعيش بكرامة دون قلق. طبقةٌ وسطى كانت يومًا عماد المجتمع، فإذا بها تتآكل ببطء، كجدارٍ قديمٍ تفتته الرطوبة دون أن ينهار دفعة واحدة.
في كل صباح، لا ينهض الأستاذ الجامعي من نومه بقدر ما يُستدعى إلى يومٍ جديد من الحسابات المؤجلة. لا شيء دراميًا في المشهد: نفس الغرفة، نفس الطريق، نفس الوجوه، لكن الداخل تغيّر كثيرًا. هناك ثِقَلٌ غير مرئي يلازمه؛ ليس ثِقَل الكتب التي يحملها، بل ثِقَل الإحساس بأن ما يحمله لم يعد كافيًا. كأن المعرفة — التي أفنى فيها عمره — فقدت قدرتها على أن تكون جسرًا نحو حياةٍ أكثر استقرارًا.
لم يكن الأمر هكذا دائمًا. كان الطريق يبدو واضحًا في البدايات: اجتهد، تميّز، انشر، وستصل. كانت هناك معادلة شبه أخلاقية بين الجهد والنتيجة، بين العلم والمكانة. لكن هذه المعادلة انفرطت بهدوء. لم تنكسر دفعة واحدة، بل تآكلت على مهل، حتى وجد نفسه في منتصف الطريق، لا هو قادر على الرجوع، ولا الطريق أمامه كما كان يتصور.
ينتمي — أو كان ينتمي — إلى تلك الطبقة التي أحب المصريون أن يسموها "الطبقة الوسطى"، الطبقة التي لا تملك فائضًا، لكنها تملك توازنًا. غير أن هذا التوازن لم يعد قائمًا. الراتب ثابت، والأسعار تتغير كأنها في سباق مع الزمن. كل زيادة في الحياة تُقابَل بنقصٍ في قدرته على مجاراتها. لم يعد العجز رقمًا في دفتر، بل صار إحساسًا يوميًا: حين يؤجل شراء كتاب، حين يعيد حساباته قبل حضور مؤتمر، حين يقف طويلًا أمام قرارٍ بسيط لأنه لم يعد بسيطًا.
شيئًا فشيئًا، يتبدل موقعه من حامل رسالة إلى مؤدٍ لوظيفة. يدخل المحاضرة، يتكلم بحماسة يعرف أنها لم تعد كاملة، يشرح أفكارًا آمن بها يومًا، لكنه يرى في عيون بعض طلابه سؤالًا صامتًا: "وماذا بعد؟" يعرف أن كثيرين منهم لا يرون في هذه العلوم طريقًا للحياة، بل عبورًا مؤقتًا نحو شيءٍ آخر، أكثر "عملية"، أكثر قابلية للبيع. ينهي محاضرته، يشعر أنه أدى ما عليه، لكن دون ذلك الشعور القديم بأنه أحدث فرقًا.
ثم تأتي لحظة الإدراك الأكثر قسوة: أن التفوق وحده لم يعد كافيًا. أن الطريق إلى التقدير لم يعد مستقيمًا كما تخيّله. هناك أشياء أخرى تُقال همسًا ولا تُكتب في اللوائح: علاقات، حضور، قدرة على الاندماج في شبكات غير مرئية. يجد نفسه أمام معادلة مربكة؛ إن ظل وفيًا لمعاييره الصارمة، تقدّم ببطءٍ موجع، وإن حاول أن يساير اللعبة، خسر شيئًا من نفسه. في الحالتين، هناك ثمن لا يمكن تجاهله.
وخارج أسوار الجامعة، عالمٌ آخر يفرض إيقاعه. على شاشة هاتفه تمر الإعلانات بلا توقف: كمباوندات بواجهات زجاجية، مساحات خضراء، وجوه مبتسمة لا تعرف القلق، وشعار يتكرر بلهجة واثقة: "هذه هي الحياة التي تستحقها". يتأمل الصورة، لا ليحلم، بل ليقارن. يعرف أن هذه الحياة ليست له، ولا لغالبية من يعرفهم. إنها صورة مُصمَّمة بعناية، لا تعكس الواقع بقدر ما تعيد صياغته. هنا تتسع الفجوة، لا فقط بين الدخل والطموح، بل بين الإحساس بالانتماء والصورة العامة للمجتمع. كأن هناك "مصرين" تعيشان معًا دون أن تلتقيا: واحدة تُعرض في الإعلانات، وأخرى تُعاش في التفاصيل اليومية.
في هذا المناخ، لا يختفي الحلم فجأة، بل ينكمش. كان يفكر يومًا في مشاريع كبيرة: كتاب يغيّر مسارًا، نظرية تفتح أفقًا، حضور علمي يتجاوز الحدود. الآن، صار الحلم أكثر تواضعًا: شهر يمر دون أزمة، دخل إضافي يخفف الضغط، لحظة استقرار لا تتبعها مفاجأة. لا يشعر أنه تخلى عن طموحه بقدر ما يشعر أن الواقع أعاد تعريف الممكن. من مشروع إنجاز، أصبح مشروع بقاء.
التفاصيل الصغيرة تكشف أكثر مما تقوله التحليلات. أستاذ يؤجل مؤتمرًا لأنه لا يملك تكلفته، رغم أن ورقته البحثية قُبلت بترحيب. آخر ينشر في مجلة مرموقة، لكنه لا يرى انعكاسًا لذلك في حياته اليومية. ثالث يضطر إلى العمل خارج تخصصه، لا حبًا في التنوع، بل بحثًا عن توازن مفقود. هذه ليست حالات فردية، بل ملامح نمط يتكرر حتى يكاد يصبح قاعدة.
ومع تراكم هذا كله، يتسلل شعور صامت بالتآكل. ليس فشلًا واضحًا يمكن تسميته، بل تراجع بطيء يصعب الإمساك به. أن يشعر الإنسان أنه يبذل، لكن العائد لا يوازي الجهد؛ أن يرى أن الاستحقاق لم يعد معيارًا كافيًا؛ أن يكتشف أن مكانته الرمزية لا تحميه من القلق اليومي. هنا لا تكون المشكلة في قلة المال وحدها، بل في اختلال المعنى. في تلك الفجوة بين ما يُفترض أن يكون عليه موقعه، وما هو عليه فعليًا.
ومع ذلك، لا يتوقف. يذهب كل يوم، يفتح كتابه، يدخل القاعة، ويتكلم. قد لا يكون الأمل كبيرًا كما كان، لكنه لم ينطفئ تمامًا. ربما تحوّل من يقينٍ صاخب إلى عنادٍ هادئ. عناد أن يبقى، أن يؤدي دوره، وأن لا يسمح بأن تُمحى قيمة ما يفعل—even لو لم تعد تُكافأ كما ينبغي.
في النهاية، ليست هذه حكاية رجل واحد، بل مرآة لطبقة كاملة تقف على الحافة: لا هي سقطت سقوطًا نهائيًا، ولا هي استطاعت أن تحافظ على توازنها القديم. طبقة تعلّمت أن تعيش بين صورتين: صورة مثالية تُعرض عليها كل يوم، وواقعٍ تعرفه جيدًا. وبينهما، يحاول الأستاذ الجامعي أن يحتفظ بشيءٍ صغير، لكنه أساسي: شعوره بأن ما يفعله، رغم كل شيء، ما زال له معنى.