الخبر لايف
الثلاثاء 26 مايو
مقالات 4 4 دقيقة visibility 44

إيمان مكاوي تكتب: إدارة الفنون وتحولات القوة الناعمة: تجربة "رسم مصر" كنموذج للإدارة الثقافية التشاركية

schedule
إيمان مكاوي تكتب: إدارة الفنون وتحولات القوة الناعمة: تجربة "رسم مصر" كنموذج للإدارة الثقافية التشاركية
تقوم فكرة مبادرة "رسم مصر" على تنظيم جولات فنية أسبوعية في المواقع التاريخية والمعمارية في مصر، حيث يجتمع الفنانون والهواة والمهتمون بالفنون البصرية في فضاء مفتوح للتعلم والممارسة.

في العقود الأخيرة لم تعد الثقافة مجالًا جماليًا هامشيًا أو نشاطًا احتفاليًا يُضاف إلى الحياة الاجتماعية، بل تحولت إلى أحد أهم عناصر تشكيل الوعي الجمعي وإنتاج القوة الرمزية للدول والمجتمعات. فالعالم المعاصر يشهد تحولًا عميقًا في مفهوم القوة ذاته؛ إذ لم تعد القوة مرتبطة فقط بالاقتصاد أو النفوذ العسكري، بل أصبحت مرتبطة بقدرة المجتمعات على إنتاج المعنى الثقافي والتأثير الحضاري. وفي هذا السياق يمكن النظر إلى مبادرة "رسم مصر" بوصفها نموذجًا معاصرًا للإدارة الثقافية التشاركية، حيث يتحول الفن من نشاط فردي محدود إلى عملية اجتماعية مفتوحة يشارك فيها المجتمع في إنتاج الثقافة وتوثيقها.

انطلقت مبادرة "رسم مصر" عام 2019 بمبادرة من أستاذ الرسم والتصوير بكلية التربية الفنية في جامعة حلوان الدكتور محمد حمدي، بوصفها مشروعًا فنيًا تثقيفيًا يهدف إلى ربط الفن بالمدينة والتاريخ. تقوم فكرة المبادرة على تنظيم جولات فنية أسبوعية في المواقع التاريخية والمعمارية في مصر، حيث يجتمع الفنانون والهواة والمهتمون بالفنون البصرية في فضاء مفتوح للتعلم والممارسة. وخلال هذه الجولات يتم تقديم مادة معرفية عن تاريخ المكان وقيمه الجمالية والمعمارية، قبل أن يبدأ المشاركون في توثيق المكان من خلال الرسم والتصوير، في تجربة تجمع بين الفن والمعرفة والذاكرة الحضرية.

تكتسب هذه التجربة أهميتها من كونها تعيد تعريف العلاقة بين الفن والمجتمع. فالفن هنا لا يُمارس داخل قاعات العرض المغلقة أو المؤسسات الأكاديمية فقط، بل ينتقل إلى الفضاء العام للمدينة. ويصبح الشارع والميدان والمبنى التاريخي مساحة تعليمية وثقافية في الوقت ذاته. هذا التحول يعكس اتجاهًا عالميًا جديدًا في إدارة الفنون يعتمد على المشاركة المجتمعية والانفتاح على الفضاء الحضري.

وقد أسهمت الثورة الرقمية في تعزيز هذا الاتجاه. فمع انتشار الإنترنت ومنصات التواصل الاجتماعي لم يعد الجمهور متلقيًا سلبيًا للمحتوى الثقافي، بل أصبح شريكًا في إنتاجه. هذا التحول هو ما وصفه الباحث في دراسات الإعلام الأمريكي هنري جينكنز بمفهوم الثقافة التشاركية في كتابه الشهير "ثقافة التقارب الإعلامي" الصادر عام ٢٠٠٦. يشير هذا المفهوم إلى انتقال الثقافة من نموذج هرمي تتحكم فيه المؤسسات إلى نموذج شبكي يقوم على التفاعل والمشاركة، حيث يصبح الأفراد جزءًا من عملية إنتاج المعرفة الثقافية.

ومن هذا المنظور يمكن فهم تجربة "رسم مصر" باعتبارها تطبيقًا عمليًا لهذا المفهوم. فالمبادرة لا تقتصر على تعليم الرسم، بل تسعى إلى بناء علاقة معرفية جديدة مع المدينة. فحين يجلس الفنان أمام مبنى تاريخي ليرسمه، فإنه لا ينقل شكله الخارجي فقط، بل يدخل في حوار بصري مع المكان. هذا الحوار يكشف طبقات الذاكرة التاريخية الكامنة في العمارة والفضاء الحضري، ويعيد اكتشاف العلاقة بين الإنسان والمكان.

ولا يمكن فهم هذه التجربة بمعزل عن التحولات العالمية في إدارة الثقافة. فهناك العديد من المبادرات الدولية التي تقوم على فكرة توثيق المدن من خلال الرسم الميداني. من أبرز هذه المبادرات الحركة العالمية "رسامو المدن"، التي تأسست عام ٢٠٠٧ وتعتمد على الرسم المباشر في الشوارع لتوثيق الحياة اليومية في المدن حول العالم. تقوم فلسفة هذه الحركة على فكرة بسيطة لكنها عميقة، وهي أن المدينة ليست مجرد فضاء مادي، بل تجربة إنسانية يمكن تسجيلها بصريًا.

وفي السياق الآسيوي يظهر نموذج ثقافي مختلف لكنه قريب في فلسفته، وهو مفهوم "منظر ساتوياما الثقافي في اليابان"، الذي يقوم على تحقيق التوازن بين الإنسان والطبيعة. ينظر هذا المفهوم إلى البيئة بوصفها منظومة ثقافية متكاملة تجمع بين المعرفة التقليدية والفنون والاستدامة البيئية، وهو ما يعكس رؤية حضارية ترى في الثقافة جزءًا من منظومة الحياة اليومية.

أما في أوروبا فقد ظهر نموذج آخر يربط الثقافة بالتحولات الاقتصادية، وهو شبكة "المسار الأوروبي للتراث الصناعي"، التي تهدف إلى إعادة توظيف المواقع الصناعية القديمة وتحويلها إلى مراكز ثقافية وسياحية. ويعكس هذا النموذج تحول الاقتصاد الصناعي إلى اقتصاد إبداعي يعتمد على الثقافة باعتبارها موردًا اقتصاديًا ومعرفيًا في آن واحد.

كما تقدم فرنسا نموذجًا آخر للتواصل الثقافي من خلال "مهرجان دفاتر الرحلات المصورة بفرنسا"، الذي يعتمد على الرسم والمذكرات البصرية لتوثيق التجارب الثقافية في المدن المختلفة، مما يجعل الفن وسيلة للحوار الحضاري بين الشعوب.

إن استحضار هذه النماذج العالمية يوضح أن تجربة "رسم مصر" ليست مجرد مبادرة فنية محلية، بل جزء من تحول عالمي في مفهوم الإدارة الثقافية. ففي هذا التحول لم تعد الثقافة تدار فقط عبر المؤسسات الرسمية، بل عبر شبكات معرفية مرنة تجمع بين الفنانين والباحثين والمجتمع المحلي.

وتكتسب هذه التحولات أهمية خاصة في إطار مفهوم القوة الناعمة، حيث أصبحت الثقافة أحد أهم أدوات التأثير الحضاري في العالم المعاصر. فالدول اليوم تتنافس ليس فقط على الموارد الاقتصادية، بل على قدرتها على إنتاج سرديات ثقافية قادرة على جذب اهتمام العالم. ومن هنا يصبح توثيق المدن التاريخية وإعادة تقديمها بصريًا جزءًا من هذه السردية الثقافية.

وفي هذا الإطار تبرز أيضًا فكرة "الثقافة 5.0"، وهي رؤية مستقبلية تسعى إلى تحقيق التوازن بين الإنسان والتكنولوجيا. فالتقدم في مجالات الذكاء الاصطناعي والواقع الافتراضي يفتح آفاقًا جديدة لحفظ التراث الثقافي وتقديمه بطرق تفاعلية. لكن التحدي الحقيقي يكمن في الحفاظ على مركزية الإنسان داخل هذه المنظومة الرقمية، بحيث تظل الثقافة تعبيرًا عن التجربة الإنسانية الحية.

وفي النهاية يمكن القول إن تجربة "رسم مصر" تقدم نموذجًا معاصرًا لتحولات إدارة الفنون في القرن الحادي والعشرين. فهي تجربة تجمع بين الفن والمعرفة والمشاركة المجتمعية، وتعيد اكتشاف المدينة بوصفها فضاءً ثقافيًا حيًا. ومن خلال هذا التفاعل بين الفن والمجتمع والتاريخ يمكن للثقافة أن تتحول إلى قوة ناعمة حقيقية تسهم في تعزيز الهوية الوطنية وتفتح آفاقًا جديدة للحوار الحضاري مع العالم.

ما رأيك في هذا الخبر؟

forum

التعليقات

recommendمقالات ذات صلة

swipe