د. محمد فاروق يكتب: ماذا لو؟.. الاقتصاد غير الرسمي بين الفوضى والتنمية
في كل مرة تواجه فيها الدولة تحديات اقتصادية، يعود الحديث مجددًا عن ذلك الكيان الضخم الذي يعيش بين الظلال؛ اقتصاد يتحرك يوميًا بمليارات الجنيهات، ويوفر فرص عمل لملايين المواطنين، لكنه في الوقت ذاته يظل بعيدًا عن أعين المؤسسات الرسمية وعن قواعد الحصر والرقابة والتنظيم.
إنه الاقتصاد غير الرسمي.
تشير تقديرات العديد من الدراسات الاقتصادية إلى أن حجم الاقتصاد غير الرسمي في مصر يمثل نسبة كبيرة من النشاط الاقتصادي، وأن ملايين العاملين وأصحاب المهن والحرف والأنشطة التجارية يمارسون أعمالهم خارج المنظومة الرسمية للدولة، سواء لأسباب تتعلق بالتعقيدات الإدارية أو ارتفاع تكاليف الترخيص أو ضعف الثقة المتبادلة بين بعض أصحاب الأنشطة والجهات الحكومية.

ورغم ما يمثله هذا الاقتصاد من طاقة إنتاجية هائلة، فإن استمراره خارج المنظومة الرسمية يحرم الدولة من موارد كبيرة، ويحرم المواطنين من ضمانات الجودة والحماية القانونية، ويخلق بيئة خصبة للممارسات غير المنضبطة.
لكن السؤال الذي يفرض نفسه هنا:
ماذا لو امتلكت الدولة قاعدة بيانات دقيقة وشاملة لكل نشاط مهني وتجاري وخدمي على أرض مصر؟
ماذا لو تم إنشاء هيئة وطنية مستقلة تتمتع بالكفاءة والنزاهة والقدرة التقنية، تكون مهمتها الأساسية حصر الأنشطة الاقتصادية والمهنية في مختلف المحافظات والقرى والنجوع، وبناء خريطة معلوماتية متكاملة للاقتصاد المصري بكل تفاصيله؟
إن جوهر القضية لا يتعلق فقط بتحصيل الضرائب كما قد يظن البعض، بل يتعلق أولًا بالمعلومة.
فالدول الحديثة لا تُدار بالتقديرات، وإنما بالبيانات.
ولا يمكن التخطيط لتطوير قطاع ما أو معالجة خلل اقتصادي أو مواجهة احتكار أو ضبط الأسواق دون معرفة دقيقة بحجم النشاط القائم على أرض الواقع.
كم من نشاط اقتصادي يحقق أرباحًا ضخمة بعيدًا عن أي رقابة أو تسجيل؟
وكم من خدمات تُقدَّم للمواطنين بأسعار مبالغ فيها دون وجود معايير واضحة للجودة أو الكفاءة؟
وكم من مهن تُمارس دون تراخيص أو تأهيل أو اختبارات مهنية تضمن الحد الأدنى من الجودة وحماية المستهلك؟
بل إن بعض المنتجات والخدمات التي يتعامل معها المواطن يوميًا قد لا تكون خاضعة لأي رقابة حقيقية، ما يفتح الباب أمام تفاوت كبير في الجودة والأسعار ويؤثر بشكل مباشر على حياة المواطنين.
إن وجود قاعدة بيانات متكاملة سيمنح الدولة لأول مرة صورة حقيقية عن حجم النشاط الاقتصادي الفعلي، وعن التدفقات المالية داخل قطاعات ظلت لعقود طويلة تعمل في مناطق رمادية.
وسوف يترتب على ذلك عدد من المكاسب المهمة:
أولًا: زيادة الإيرادات العامة للدولة من خلال توسيع القاعدة الاقتصادية بدلاً من زيادة الأعباء على الملتزمين بالفعل.
ثانيًا: تحقيق قدر أكبر من العدالة الاقتصادية بين أصحاب الأنشطة الرسمية وغير الرسمية.
ثالثًا: حماية المستهلك من الممارسات العشوائية أو غير المهنية.
رابعًا: توفير معلومات دقيقة لصناع القرار تمكنهم من وضع سياسات أكثر كفاءة وواقعية.
خامسًا: كشف العديد من بؤر الفساد والتلاعب التي تنمو عادة في البيئات غير المنظمة.
غير أن نجاح أي مشروع من هذا النوع يتطلب فلسفة مختلفة عن فلسفة الجباية التقليدية.
فأصحاب الأنشطة غير الرسمية يجب ألا يشعروا بأن الدولة قادمة لمعاقبتهم، وإنما لمساعدتهم على النمو والانضمام إلى الاقتصاد الرسمي بصورة آمنة وعادلة.
ولهذا فإن نجاح التجربة يرتبط بوجود جهة قادرة على لعب دور الوسيط بين أصحاب الأنشطة المختلفة وبين أجهزة الدولة، بما يضمن حماية المواطنين من جهة، وحماية أصحاب المشروعات الصغيرة ومتناهية الصغر من أي ممارسات بيروقراطية أو استغلال من جهة أخرى.
التجارب الدولية تؤكد أن دمج الاقتصاد غير الرسمي لا يتحقق بالقوة وحدها، وإنما بالمزيج الذكي بين الحصر والتنظيم والتحفيز والثقة.
فكل معلومة دقيقة تمتلكها الدولة تتحول إلى قدرة أكبر على التخطيط.
وكل نشاط اقتصادي يدخل إلى المنظومة الرسمية يتحول إلى قيمة مضافة للاقتصاد الوطني.
وكل جنيه جديد يدخل الخزانة العامة ينعكس في النهاية على الخدمات العامة والبنية التحتية والتعليم والصحة وفرص العمل.
لقد أثبتت التجارب الحديثة أن البيانات أصبحت ثروة لا تقل أهمية عن الموارد الطبيعية، وأن الدول التي تعرف تفاصيل اقتصادها الحقيقي هي الأكثر قدرة على النمو ومواجهة الأزمات.
وربما لا يكون السؤال الحقيقي هو: هل نحتاج إلى حصر الاقتصاد غير الرسمي؟
بل السؤال الأهم:
كم من الفرص التنموية والموارد والإمكانات ما زالت مختبئة داخل هذا الاقتصاد الضخم؟
وكم يمكن أن يتغير وجه الاقتصاد المصري إذا تحولت تلك المناطق الرمادية إلى جزء من منظومة واضحة ومنظمة وعادلة؟
يبقى السؤال مفتوحًا…
ماذا لو؟
ما رأيك في هذا الخبر؟