رحلة البحث عن السند
بقلم ا.د إبراهيم مرجونة
منذ أن يولد الإنسان وهو يبحث عن السند. فالطفل يجد سنده في والديه، والشاب يستند إلى أسرته وأصدقائه، والكبير يبحث عمن يشاركه أعباء الحياة ويخفف عنه مشقاتها. وهذه الحاجة ليست ضعفًا في الإنسان، وإنما هي جزء من فطرته التي خُلق عليها، لأن الحياة لا تُبنى بالفرد وحده، وإنما تقوم على التعاون والتكافل والمشاركة.
يُعد السند من أعمق الاحتياجات الإنسانية، فهو ليس مجرد شخص يقف إلى جانب الإنسان في أوقات الأزمات، بل هو شعور بالأمان الوجودي يمنح الفرد القدرة على الاستمرار في مواجهة الحياة. فالإنسان، منذ أن وجد على الأرض، لم يُخلق ليعيش منعزلًا، وإنما فُطر على الاجتماع والتعاون والتكامل، ولذلك كان البحث عن السند جزءًا من رحلة الإنسان في فهم ذاته والعالم من حوله.

وقد أدرك الفلاسفة منذ القدم هذه الحقيقة. فقد رأى أرسطو أن الإنسان "مدنيٌّ بالطبع"، أي لا يستطيع أن يحقق إنسانيته إلا داخل مجتمع يتبادل فيه الناس العون والمساندة، لأن الفضائل لا تنمو في العزلة، وإنما تزدهر في العلاقات الإنسانية الصادقة. أما كونفوشيوس فكان يرى أن قوة المجتمع تبدأ من قوة الروابط بين أفراده، وأن الإنسان لا يبلغ كماله إلا عندما يكون عونًا لغيره قبل أن يطلب العون لنفسه.
وفي الفلسفة الإسلامية، نجد أن الفارابي في كتابه المدينة الفاضلة يقرر أن الإنسان عاجز عن تلبية جميع حاجاته منفردًا، ولذلك كانت المدينة والتعاون بين الناس ضرورة وجودية وليست مجرد اختيار اجتماعي. ومن هنا يصبح السند قيمة حضارية، لا مجرد علاقة شخصية.
ولعل أجمل شاهد على قيمة السند ما جاء في القرآن الكريم في قول الله تعالى: ﴿وَاجْعَلْ لِي وَزِيرًا مِنْ أَهْلِي . هَارُونَ أَخِي . اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي﴾، فلم يطلب نبي الله موسى عليه السلام المال ولا السلطان، وإنما طلب السند الذي يقوي عزيمته ويعينه على أداء رسالته. وفي هذا دلالة على أن أعظم الرجال وأكثرهم إيمانًا كانوا بحاجة إلى من يؤازرهم.
ويؤكد علم النفس الحديث هذه الحقيقة؛ فالدعم الاجتماعي من أهم العوامل التي تساعد الإنسان على مقاومة الضغوط النفسية، وتزيد من قدرته على التكيف، وتمنحه شعورًا بالأمان والانتماء. ولذلك فإن من يفتقد السند كثيرًا ما يشعر بالغربة، حتى لو كان محاطًا بالناس.
غير أن الفلسفة تميز بين نوعين من السند: سند خارجي يتمثل في الأسرة والأصدقاء، وسند داخلي يتمثل في قوة المبادئ والإيمان والثقة بالنفس. فالإنسان الذي يعتمد على الناس وحدهم قد ينهار إذا غابوا، أما من يجعل إيمانه بالله أساسًا، فإنه يجد في داخله قوة تعينه على تجاوز المحن. ولهذا قال الإمام علي بن أبي طالب رضي الله عنه: "لا تستوحشوا طريق الحق لقلة سالكيه." فالسند الحقيقي يبدأ من ثبات المبدأ، ثم يكتمل بوجود الرفيق الصادق.
وقد عبّر الأديب مصطفى صادق الرافعي عن هذا المعنى حين رأى أن الإنسان لا يحتاج دائمًا إلى من يحل مشكلاته، بل إلى من يخفف عنه ثقلها بالمشاركة والوفاء. فبعض الأشخاص لا يغيرون ظروف الحياة، لكنهم يغيرون قدرتنا على احتمالها
والسند في معناه الحقيقي لا يقتصر على المساعدة المادية أو الوقوف بجوار الإنسان عند وقوع المصائب، بل هو حضور دائم يمنح القلب طمأنينة، ويزرع في النفس الثقة، ويبعث الأمل كلما أوشكت العزيمة على الانكسار. فكثيرًا ما يكون الإنسان قادرًا على تحمل المشكلات، لكنه يحتاج إلى كلمة صادقة، أو يد تمتد إليه، أو شخص يؤمن بقدراته، فيشعر أن الطريق لم يعد موحشًا كما كان.
إن الإنسان يمر في حياته بمراحل مختلفة، وفي كل مرحلة يكتشف أن النجاح لا يصنعه الذكاء وحده، ولا المال وحده، ولا المكانة الاجتماعية وحدها، وإنما تصنعه أيضًا شبكة من العلاقات الإنسانية الصادقة. فكم من إنسان امتلك العلم والمال، لكنه انهار عندما فقد من يسانده نفسيًا، وكم من آخر كانت إمكاناته محدودة، لكنه تجاوز أصعب المحن لأن حوله قلوبًا صادقة منحته القوة للاستمرار.
والسند الحقيقي لا يظهر في أيام الرخاء، لأن الجميع يستطيع أن يكون قريبًا منك عندما تكون ناجحًا أو قويًا أو صاحب منفعة. أما عند الشدة، فإن الأقنعة تسقط، وتنكشف حقيقة العلاقات. وهنا يدرك الإنسان أن قيمة الأشخاص لا تقاس بعدد كلماتهم الجميلة، وإنما بثباتهم في المواقف الصعبة. ولهذا قيل: "الصديق وقت الضيق." وهي عبارة قصيرة، لكنها تختصر تجربة إنسانية طويلة عاشتها الأمم عبر التاريخ.
ولا يعني السند أن يحمل الآخر عنك مسؤولياتك أو يتخذ قراراتك نيابة عنك، بل إن السند الحقيقي هو من يساعدك على الوقوف لا من يجعلك معتمدًا عليه، ومن يمنحك الثقة بنفسك لا من يصنع منك شخصًا عاجزًا عن الحركة بدونه. فالسند الناجح يبني شخصية قوية مستقلة، بينما السند الخاطئ يخلق شخصية ضعيفة تعتمد على غيرها في كل شيء.
ومن أعظم صور السند الأسرة؛ فهي المدرسة الأولى التي يتعلم فيها الإنسان معنى الحب والتضحية والانتماء. فالأب يمثل سندًا بالحكمة والخبرة، والأم سندًا بالعطاء والاحتواء، والإخوة سندًا بالمشاركة والمؤازرة. وإذا كانت الأسرة متماسكة، استطاع أفرادها أن يواجهوا تقلبات الحياة بروح أكثر ثباتًا، لأنهم يعلمون أن هناك من يقف خلفهم مهما اشتدت الظروف.
كما أن الصداقة الصادقة تمثل صورة راقية من صور السند. فالصديق الحقيقي لا ينافسك في نجاحك، ولا يفرح بعثرتك، ولا يختفي عند حاجتك إليه، بل يكون أول من يشاركك الفرح، وأول من يمد يده إليك عند الحزن. ولذلك فإن جودة الإنسان كثيرًا ما تُعرف بجودة من يحيطون به، لأن العلاقات الصادقة تترك أثرًا عميقًا في تكوين الشخصية.
ومن الناحية الفكرية، يرى كثير من المفكرين أن الإنسان لا يستطيع أن يحقق ذاته في عزلة كاملة، لأن الحياة بطبيعتها تقوم على تبادل الأدوار والمساندة. فالطبيب يحتاج إلى المعلم، والمعلم يحتاج إلى المزارع، والمزارع يحتاج إلى المهندس، وهكذا تتكامل الأدوار ليقوم المجتمع على مبدأ السند المتبادل، وهو أساس كل حضارة ناجحة.
غير أن أعظم سند يمكن أن يمتلكه الإنسان هو ثقته بالله تعالى، لأن البشر مهما بلغت محبتهم قد يعجزون عن تقديم العون في بعض المواقف، أما الله سبحانه فلا يعجزه شيء. ولذلك فإن القلب الذي يمتلئ بالإيمان يظل قويًا حتى في لحظات الوحدة، لأنه يعلم أن وراء كل ابتلاء حكمة، وأن بعد كل عسر يسرًا، وأن الله لا يخذل من أحسن التوكل عليه.
ولهذا فإن الإنسان الحكيم لا يكتفي بالبحث عن السند، بل يسعى أيضًا إلى أن يكون سندًا لغيره. فالكلمة الطيبة قد تكون سندًا، والابتسامة قد تكون سندًا، والاستماع لمهموم قد يكون سندًا، والنصيحة المخلصة قد تغير حياة إنسان بأكملها. فليس كل سند يحتاج إلى مال أو نفوذ، وإنما يحتاج إلى قلب رحيم وضمير حي وإخلاص في المواقف.
وفي النهاية، تبقى الحياة رحلة مليئة بالتحديات، ولا يستطيع الإنسان أن يخوضها وحده. فالسند هو القوة الخفية التي تمنحنا القدرة على مواصلة الطريق، وهو الجسر الذي نعبر به لحظات الضعف نحو الأمل، وهو المعنى الذي يجعل للعلاقات الإنسانية قيمتها الحقيقية. وإذا كان الإنسان محظوظًا بمن يجد فيهم السند، فإنه يكون أكثر حظًا عندما يكون هو نفسه سندًا لكل من يحتاج إليه، لأن أعظم أثر يتركه الإنسان في الحياة ليس فيما يملكه، بل فيما يمنحه للآخرين من دعم ومحبة ووفاء.
اقرأ أيضاً:
- ا.د إبراهيم مرجونة.. يكتب: حين يصبح العنف لغة المجتمع!
- الأسرة المصنع الأول .. كيف تصنع إنسانًا استثنائيًا في زمن التحديات
- مونديال أمريكا: تحذيرات حقوقية من "مناخ خوف" يهدد البطولة
- د. منى محرز: 70% من أمراض الإنسان ذات منشأ حيواني.. والرقابة البيطرية هي الضمانة لغذاء “صحي وآمن”
- ا.د إبراهيم مرجونة يكتب: على الحَركَرورك
ما رأيك في هذا الخبر؟