من يصنع القدوة؟ حين يتصدر التافهون المشهد ويُهمَّش العلماء والمعلمون
«إذا أردت أن تهدم حضارة، احتقر معلماً، وأذل طبيباً، وهمّش عالماً، وأعطِ قيمة للتافهين».
هذه الكلمات المنسوبة إلى المفكر الجزائري مالك بن نبي، تحمل معنى عميقًا؛ فهي لا تتحدث عن انهيار يأتي فجأة، وإنما عن انهيار يبدأ من داخل المجتمع عندما يختل سُلّم القيم، وتتغير نظرة الناس إلى العلم والعمل والقدوة.
فالحضارات لا تسقط بالرصاص وحده ، بل بتشويه سلم القيم حين يعظم التافه وتحطم القامات وتمسخ القدوة، وعندما يصبح التافه أكثر شهرة من العالم، ويصبح الضجيج أعلى من صوت المعرفة، ويُهمَّش المعلم الذي يصنع الأجيال، والطبيب الذي يحفظ حياة الناس، والعالم الذي يقضي سنوات في البحث والاكتشاف.
المشكلة ليست في أن يكون هناك تافهون، فالتفاهة موجودة في كل زمان، وإنما الخطر الحقيقي أن يتحول التافه إلى قدوة، ويصبح عدد المتابعين معيارًا لقيمة الإنسان فكل تافه مشهور قد يصبح رأس رمح في حرب على الوعي، لأن المجتمع منحه الاهتمام والتصفيق، بينما يقف المعلم أمام سبورته في صمت، ويقضي الطبيب ساعاته في علاج المرضى، ويسهر العالم والباحث خلف العلم والاكتشاف دون ضجيج.
وهنا يجب أن نسأل أنفسنا: هل الشهرة دليل على القيمة؟ وهل كثرة المتابعين تعني أن الإنسان يستحق أن يكون قدوة؟ بالطبع لا. فليس كل مشهور عظيمًا، وليس كل عظيم مشهورًا.
كما أن أخطر ما يمكن أن يحدث ليس أن نشاهد التفاهة، وإنما أن نتوقف عن التمييز بين التفاهة والقيمة. فإذا كان التصفيق دائمًا لمن يثير الجدل ويصنع الضجيج، فسوف يسعى كثيرون إلى تقليده، أما إذا أصبح التقدير للعلم والعمل والإبداع، فسوف يبحث الشباب عن النجاح الحقيقي بدلًا من الشهرة السريعة.
فإذا أردت أن تعرف مستقبل أمة، فانظر إلى من تصفق لهم، ومن تجعلهم قدوة لأبنائك.
فالحضارات لا تسقط عندما تنهدم مبانيها، بل عندما تنهدم القيم التي بنت تلك المباني.
وحين يصبح التافه نجمًا، والعالم مهمشًا، والمعلم منسيًا، والطبيب بلا تقدير، فاعلم أن الخطر لم يعد على الأبواب… بل بدأ من الداخل.
اقرأ أيضاً:
- «50 عسكري تحت اختبار كشف الكذب».. تسريبات تهز الجيش الأمريكي وتكشف أسرار مخزون الأسلحة
- 3 أيام من الرعب.. قصة الطفل أيوب الذي يواجه الموت داخل بئر بالجزائر
- مصر وتركيا تبحثان جهود خفض التصعيد واستعادة المسار التفاوضي بين إيران وأمريكا
- بعد سرقته من فيينا.. عقد الملكة نازلي المرصع بـ673 ماسة في بيانات الإنتربول
- كارثة نيبال والتبت.. 165 قتيلًا وآلاف المفقودين بعد انهيار جليدي بالهيمالايا